الثلاثاء، 16 فبراير 2021

النداء الأخير لرانيا يوسف

نقلا عن مجلة صباح الخير

 

الخلاف حول أزمات رانيا يوسف الإعلامية لا ينفى أنها ممثلة جيدة ولديها جاذبية أمام الكاميرا وجسدت العديد من الشخصيات باقتدار ملحوظ، لكن هل يتذكر الجمهور الآن تلك الشخصيات، هل ينتظر بشغف أعمالها الجديدة، هل يسأل أصلا عن فيلمها المقبل أو مسلسل جاري تصويره، الإجابة هي لا، لسبب بسيط أن رانيا تناقض نفسها وتصمم على أن تعيش وهم الترند لا  مجد الفن، أحدهم على ما يبدو أقنعها بأن الترند المؤقت أهم من البقاء في ذاكرة الناس، أو بمعنى أدق البقاء كممثلة وليس كإمرأة جميلة ومثيرة ، أحيانا ما يُصدم الفنان بأنه يقدم المسلسل تلو الآخر ولا تهتم به الميديا إلا بعد موقف شخصي، تماما كما حدث مع رانيا يوسف في موقعة البطانة الشهيرة، لكن ذلك لا يعني أبدا أن تضحي بما قدمته كممثلة وتتفرع لصياغة سيناريوهات العودة لقائمة الترند ولو مرة واحدة كل أسبوع، تنفي هي ذلك لكن أعمالها تؤكد، تذهب للمهرجانات متعمدة ارتداء ملابس جاذبة للإنتباه، وإن لم تفعل نقلت المهمة لابنتها كما حدث في ختام الجونة، فيديوهات لا حصر لها مليئة بالطبخ والرقص والغناء، ولا شئ عن التمثيل، افلام دون المستوى تقدمها في وقت الفراغ فيما الوقت الرئيسي متروك للترند، ثم فجأة نجدها مع مذيع عراقي تتكلم عن "مؤخرتها" دون أن نفهم لماذا تضطر لهذا الفعل ولماذا تظهر أصلا في برنامج لا يتابعه الجمهور المصري، ستقول أخاطب الجمهور العربي من خلاله، فبئس الرسالة إذن يا رانيا التي تنقليها عن الفن المصري، ما سبق لا يصادر على حريتها وحرية أي فنان في ارتداء ما يريد، لكن في زمن السوشيال ميديا هناك من يحرقون أنفسهم بنار غير مرئية، والنصيحة واجبة لممثلة من المفترض أنها من القليلات اللاتي يعرفن كيف يقفن أمام الكاميرا في هذا الجيل، فلتعد رانيا يوسف إلى ترند صافي سليم عندما كان الكل يتحدث عنها بسبب شخصية حضرت في مسلسل، لا بطانة غابت على السجادة الحمراء.

 


محمد عبد الرحمن يكتب : ما بعد أزمة عارفة عبد الرسول


نقلا عن مجلة صباح الخير


عندما تقرأ هذا المقال ستكون الناس قد نسيت أزمة الفنانة عارفة عبد الرسول مع الزميلة أماني خالد الصحفية بجريدة المساء، غير أن نسيان المشكلة لا يعني  انتهائها،  كل الأزمات تبدأ بنيران عالية ثم تخبو شيئا فشيئا وإذا لم يتدخل خبراء الإطفاء تظل النار تحت  الرماد، بالتالي يظل الشقاق بين الصحافة والفن مستمرا والخندق الفاصل بينهما يتسع يوما تلو الآخر، خندق لما يكن من المقبول أن تحفره أزمات بهذا القدر من التفاهة والصغر، فيما الفن والصحافة  في أمس الحاجة لبعضهما البعض خصوصا والقوى الناعمة تعاني من طوفان مدمر أطلقه المتربصون بالثقافة المصرية عبر ساحات السوشيال ميديا، طوفان من التشكيك والتقليل والتقزيم وصلت موجاته العاتية أيضا إلى الرياضة والثقافة والتعليم وغير ذلك من أوجه الحياة الثقافية المصرية .





أسمع من يقول الآن، وهل مجرد منشور لعارفة عبد الرسول التي لم تعرف الشهرة إلا مؤخرا يعكس كل ما سبق، طوفان وتقزيم وموجات ونيران، بالطبع المنشور نفسه ليس هو بيت القصيد، لكننا في زمن حولت فيه تلك المنصات أي كلمة لقنبلة موقوتة، أخطأت عارفة عبد الرسول عندما كتبت مستاءة من الحاح زميلة صحفية تؤدي واجبات عملها من أجل الكتابة عن لسان الفنانة وليس الفبركة أو الإصطناع، وزادت في الخطأ عندما لم تتفهم طبيعة رد الفعل ربما لأنها "مستجدة شهرة" وخدعها محبوها عندما ناصروها ولم يدعوها لاستخدام دبلوماسية "الكلمة الطيبة" لنزع فتيل الأزمة، ويخطئ الصحفيون يوميا بسبب وجود جيل جديد لا يعرف كيف يتعامل مع النجوم، ولم يتلق التدريب اللازم قبل الانتشار في بلاط صاحبة الجلالة، وهي أخطاء كانت تحدث في الماضي بدرجة أقل ويتم عقاب الصحفي لو أخطأ أو لوم النجم لو تجاوز، لكن هذا قبل السوشيال الميديا، الآن تنتهي الأزمة شكلها وبعدها يظهر من يضعها إلى جانب أزمات سابقة وينتظر المزيد ليشكل سلسلة يحولها حباتها إلى دليل على انهيار الفن المصري، وعدم احترام النجوم للصحافة، فإذا كان فنانو المحروسة يتعاملون مع الصحفيين بهذه الطريقة، فلماذا نطلب نحن من الجمهور العربي أن يحترم نجومنا ويبجل صحافتنا، لم تنتبه عارفة عبد الرسول رغم خبرتها الطويلة في فن الحكي وعلى خشبة المسرح إلى أنه ليس كل ما يحدث يقال، هذا إذا فرضنا أن الصحفية أخطأت فعلا، وأن الموضوع كان يمكن أن يذهب في اتجاه آخر لو لم تكتب الإساءة على صفحتها أو على الأقل تتراجع عنها سريعا، بالعكس جلست تتابع التراشق وكأنها تشاهد معركة لا تخصها، كانت تشاهدها من شاشة صغيرة للغاية، ولا تعرف أنها هي شخصيا تحت المراقبة ضمن شاشة أكبر مكتوب أعلاه هذا هو حاضر الفن المصري وصحافة النجوم، التقدير بينهم غائب فلماذا ينتظرون منا فائق الإحترام؟ 





نصيحة لقمان الحكيم لهاني مهنى

نقلا عن مجلة صباح الخير

 

يبدو أننا أمام حلمي بكر جديد، أي شخصية فنية مرموقة تترك الكلام في الفن والإبداع وتمتنع عن نصيحة الأجيال الجديدة وتسلم نفسها بمحض إرادتها لصنارة العناوين الساخنة المثيرة للجدل، اللافت أن حلمي بكر الجديد هو موسيقار أيضا، وكأن الألحان غادرته فلم يعد يستمع إلا لنفسه، إنه هاني مهنى، الاسم الكبير والمهم في الموسيقى المصرية، والذي بات ظهوره على الشاشات مرتبطا في الأسابيع الأخيرة بحكايات شخصية وتصريحات "نشاز" تسبب صداعا واستياء لمن يسمعها، فكيف الحال بمن تطالهم كلماته التي يقولها دائما ببرود أعصاب يحتاج إلى تفسير.

للإنصاف، حلمي بكر يخرج عن النوتة الموسيقية كثيرا لكنه يظل متمسكا بالكلام في الموسيقى وحسب، غير أنه صنع شهرة العشرات من المطربين خصوصا مؤدي المهرجانات بالهجوم المستمر عليهم ولم يسلم من لسانه إلا القليل، أما مهنى فبدأ كذلك بتبرؤه الخالي من اللياقة من دعوة بعض مطربي المهرجانات لزفاف ابنته على زوجها أحمد خالد صالح، ثم قرر تقييم عمرو دياب وحمو بيكا في حوار تلفزيوني واحد، لكن الطامة الكبرى وقعت عندما خرج في حوار إذاعي وتحدث عن ذكرياته في السجن مع أسماء كبيرة بتفاصيل دفعت البعض للظن بأن انفلاته متعمد لاستفزاز فئات معينة، يومها أدركت أن العكس هو الصحيح، الموضوع كان عشوائيا بدرجة كبيرة والدليل أنه لم تصدر أي توضيحات أو تصريحات لفض الالتباس، والدليل الآخر أن مهنى لم يتعلم من تلك الأزمة التي لم يمضي عليها أقل من شهر ولم يستمع إلى نصيحة لقمان الحكيم لابنه التي تنطبق عليه بشدة "يا بني إذا افتخر الناس بحسن كلامهم فافتخر أنت بحسن صمتك"، هذا على اعتبار أن مهنى يظن أن من يتكلم به من حسن القول.



 لم يتعلم أبو هنادي وإلا ما تكلم هكذا عن فنانة كبيرة يحترمها الملايين هي سميرة سعيد، حكى قصة انفصالهما في حوار لموقع إلكتروني، وأهان في الطريق فنانة كبيرة أخرى هي نادية مصطفى، وتكلم وكأنه يدردش مع صديق في جلسة "ساونا" وليس أمام الملايين الذين انحازوا لسميرة ، ليس حبا فيها كمطربة، وإنما لأنهم لم يسمعوها يوما تسيء لأحد ولا حتى لهاني مهنى الذي لو صدقت حكاياته خصوصا طريقة انفصاله عنها فكان الأحرى بها أن تخرج لتهاجمه و"تركب الترند" مبكرا، لكنها لم تفعل، على مدار أكثر من ربع قرن من الانفصال لم تتكلم، ثم يأتي هاني مهنى في زمن السوشيال ميديا حيث تنتشر الإساءة  قبل أن يقف دوران الكاميرا ويسيء لزوجته السابقة ويتكلم وكأنها حكاية قبل النوم لطفل صغير، وكأن تلك الحكاية لن تؤذي أحدا، إنه حتى لا يقول لماذا فعل ذلك أو لماذا يرويه الآن، هو فقط يفتح أرشيفه وكأنه يعوض سنين طويلة غابت عنه الأضواء فيها، سنين التزمت فيها سميرة سعيد بالصمت، ربما لأنها أدركت مبكرا أن علاقتها به "حب ميئوس منه".

السبت، 12 ديسمبر 2020

طوفان "التعليقات الشرسة" يطارد النجوم !

 نقلا عن مجلة صباح الخير

 

وجه كلمة لفلان .. لو كنت متابعا لمواقع التواصل الإجتماعي فقد مرت أمامك العبارة السابقة أكثر من مرة بالتأكيد، حيث تستخدم صفحات الصحف والقنوات تلك الحيلة من أجل زيادة "الريتش"، يقوم أحد المشاهير بتصرف سلبي عادة وإيجابي أحيانا ويصبح حديث الناس على "التايم لاين" فتوضع صورته في إطار وعليها هذه العبارة ويُترك للناس توجيه ما يعتبرونها تنفسيا وحرية رأي وهو أبعد ما يكون عن الرأي والحرية، لتكون مثل هذه الحيل الصحفية و"الفيسبوكية" إذا جاز التعبير بداية ظاهرة يعاني منها الفن والنجوم حاليا، ونرصدها في السطور المقبلة، ظاهرة "التعليقات الشرسة" حيث يواجه الفنانون هجوما عنيفا وشبه دائم من المتابعين بات البعض يتوقع أنه موجه وليس عفويا.

 

قبل أن كمل نتوقف أولا أمام تعريف "الريتش" فهو الموازي للترافيك، الأخير مرتبط بعدد زيارات الجمهور لمواقع الأخبار، والأول عدد زيارات الجمهور لمنشورات الصفحات عبر فيس بوك وتويتر وغيرها من منصات التواصل أو التباغض الإجتماعي كما يسميها الرافضون لنتائجها السلبية، أما "التايم لاين" فهو تعبير عن ما يتابعه المستخدم لفيس بوك او تويتر عبر حسابه الشخصي وهو نتاج من يتابعهم سواء كانوا أشخاص أو صفحات أو مجموعات "جروبات" .

تهم الصحف بالريتش بدرجة كبيرة، على سبيل المثال تخيل أن هناك موقفا انتقد فيه البعض الفنان محمد رمضان، وقامت صفحة تابعة لجريدة ما بنشر صورته مع عبارة "وجه كلمة لمحمد رمضان بعد كذا وكذا" وبما أن كثيرين يرفضون ما يقدمه النجم المثير للجدل، فسيقومون بالكتابة أو وضع رموز "ايموجي" وقد يصل التفاعل مثلا إلى أكثر من مليون شخص،  هذا مكسب للصفحة، لكنه خسارة للفن، حيث بات كل النجوم تحت مقصلة الجمهور، أو لنقل فئة منهم تشعر بغضب شديد تجاه "شخص" النجم وليس فقط ما يقدمه الأمر الذي حول العلاقة بين الفنانين والمتابعين إلى توتر دائم، ووصل إلى درجة تقديم النجم بلاغات في الجمهور، او العكس حيث قدم احدى الفتيات بلاغا ضد ممثل معروف لأنه تجاوز ضدها في تعليق عبر حسابه على انستجرام .

أسنان مدببة

ما سبق لا يعني أنني أتهم الصحافة فقط  بأنها سبب تدهور العلاقة بين الفن والجمهور على السوشيال ميديا، من خلال تعمد نشر الأخبار بطريقة تجعل الفنان دائما محل انتقاد، مثل نشر صورة فنانة مصابة بفيروس كورونا وهي ترتدي فستان لافت للانتباه في افتتاح أحد المهرجانات، فيقوم البعض بالتعليق شماتة فيها لأنها غير محتشمة فيدخل أخرون ويدافعون عنها ويضيع الخبر الأصلي أن هناك إنسانا أيا كانت مهنته مصاب بالفيروس اللعين، وطبعا لو تم نشر الخبر بصورة عادية لا تثير الجدل، سينخفض حجم "الريتش" إلى النصف وربما أقل من ذلك وهو ما تعتبره الصحف خسارة قريبة دون النظر للخسارة الأبعد، تلك المرتبطة بمكانة الفن المصري وبتحويل الجمهور عبر مواقع التواصل إلى أفواه بأسنان مدببة قادرة على جرح أي شخص أيا كان، وبعد الفنانين سيكون الصحفيين أول من تطالهم "شراسة" المعلقين فنكون كمن جهز المذبح لنفسه وأن لم يكن أول الضحايا.



نموذج صلاح

يقول البعض أن هناك لجانا إلكترونية تشجع على ذلك هدفها تدمير ثقة المجتمع بالنخبة، أمر وارد طبعا فالحرب الإعلامية على المصريين لا تنتهي، لكن لماذا نعطيهم السلاح بأيدينا، تكلمنا عن دور الصحافة في ذلك فماذا عن الفنانين، هل هم أبرياء بالكامل من صناعة الطوفان، بالعكس البداية كانت عندهم، فلم يكونوا مثل باقي المصريين مستعدين للتعامل مع وسائل التواصل، غرتهم الملايين التي تتابعهم ولم يدركوا أن من بينهم مئات الاف من القنابل الموقوتة، خدعتهم المكاسب المادية ولم يدركوا أنها ستزول إذا زادت التعليقات السلبية.

نجم كمحمد صلاح، يتابعه على انستجرام أكثر من 40 مليون شخص، لماذا لم تحدث أزمة واحدة بينه وبينه المتابعين، لماذا لم يتحول لمرة واحدة إلى ترند بسبب صورة غريبة أو فيديو لا يليق، ببساطة لأنه لا يدير الحساب بمفرده، هناك مؤسسة تتعامل وتعرف ماذا ومتي يقول، وكيف يدعم حملة وكيف يتجاهل أخرى، لكن بعض نجومنا حتى لو كان لديهم مساعدين فإن دورهم قاصر على نشر نجاحات النجم وتفاعل الجمهور معه فيما النجم نفسه يتبادل التعليقات مع زملاءه والمتابعين وكأننا في عصر "الهوتمايل ماسينجر" حيث لا أزمات تنتج عن أي تعليق غير مرغوب فيه .

 

تفاصيل مستفزة

 

الكم الكبير من تفاصيل حياة النجوم الذي بات متاحا على السوشيال ميديا عاد عليهم قبل أي فئة أخرى بصورة عكسية، نشر اليوميات، التواجد في حمامات السباحة، الفنادق الفخمة، السيارات الفارهة، كواليس التصوير والمكياج وتصميم الملابس، هناك فئة كبيرة تحب كل هذا، لكن التكثيف منه وعدم اختيار التوقيتات المناسبة، أثار غضب فئة أخرى، تشعر بالطبقية دوما وبانفصال الفنان عن مجتمعه، ربما تكون أيادي خارجية استغلت ذلك،  ودفعت "لجانها الالكترونية" لتشويه الفن المصري فترمي "الطعم" لأصحاب التعليقات الشرسة، لكن حتى لو لم يحدث فأن الناس في بلادنا باتوا مستعدين لهدم أي قيمة وأي شخص عبر مجموعة من التعليقات .

هل من حلول، طبعا، إعادة النظر أولا في طريقة تعامل الفنانون والصحف مع الناس على السوشيال ميديا، التنازل عن المكاسب القريبة المتمثلة في الريتش والترافيك، من أجل الحفاظ على الجمهور الواعي المتابع بحق الذي انصرف تماما هربا من جحيم التعليقات الشرسة، أن يفكر الفنان ألف مرة قبل نشر صورة أو تعليق، وأن يقتصد ولا يفرط، فهذا أفضل للجميع، أن تقوم الجهات المعنية بالطب النفسي والمجتمعي  بمراقبة الظاهرة وتدريب مديري الصفحات على استعياب هؤلاء والرد عليهم وتفنيد كلماتهم ومحاولة فهم السبب الحقيقي وراء كل هذا الغضب.

محمد عبد الرحمن يكتب : دروس وحيد حامد السبعة

نقلا عن مجلة صباح الخير

 

صحيح أن كثيرين يطلقون عليها دورة كورونا، لكن بعد زوال الفيروس وانتهاء أيامه الصعبة، أتوقع أن يتغير هذا الوصف في ذاكرة من حضروها، لتصبح دورة وحيد حامد، السينارست الكبير أضاف تكريمه الكثير للدورة الثانية والأربعين من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي والذي اختتم فعالياته يوم الخميس الماضي، كتاب مهم عنه أصدره المهرجان بقلم الناقد المخضرم طارق الشناوي، وندوة حاشدة حضرها رقم قياسي من النجوم أكدت قيمة الرجل وفخامة الحدث، ومن خلالها أطلق السينارست الذي اعتاد اللعب مع الكبار دروسا في المهنة والحياة يمكن تلخيصها في الفقرات المقبلة.

 

الدرس الأول

أقسم صاحب "النوم في العسل"  أنه لم يتبني أي قضية إلا وكان مقتنعا بها سواء كان محقا أو مخطئا، السينارست الكبير يؤكد هنا أن الإنسان عموما والمفكر خصوصا قد يتبني أفكارا خاطئة ويتراجع عنها لاحقا لكنه وقت تبنيها يجب أن يكون مقتنعا وغير متأثر بالأخرين أو باحثا عن مكسب، ما يفسر لماذا عاشت أفلامه كل هذه السنوات ولماذا اعتبره المراقبون أكثر من تبنأ بقضايا ومواقف بعينها تحققت بعد ذلك على أرض الواقع.

الدرس الثاني  

قال مؤلف "الجماعة" أنه جدد شبابه الفني بالعمل مع المخرجين الجدد، في نصيحة لكل من يريد أن يتجدد باستمرار بعدم الثقة في قدراته الشخصية بل في تكوين فريق عمل متجدد والتعامل مع أفكار الآخرين خصوصا الموهوبين منهم، حامد تعامل مع شباب المخرجين واعطاهم الثقة لكن بعدما تأكد من أنهم موهوبون فعلا، ولنا في أسماء مثل محمد ياسين وتامر محسن دليلا قويا على مدى صحة هذا الدرس.

الدرس الثالث

أرى السيناريوهات على مكتب ابني مروان ولا أفكر في الاقتراب منها أو أفرض عليه رأيي، بل أتابع نجاحاته من كلام الناس على أفلامه، هنا الدرس من الأب وليس فقط السينارست، كونك فنان ومبدع كبير لا يعني أن تفرض أسلوبك على ابنك وتختار وتقرر له، درس يفسر لماذا حقق مروان حامد نجاحا كبيرا في مجاله دون أن يجرؤ أحدهم على اتهامه بأنه استعان بنفوذ الأب واسمه، بل أن حامد تحديدا لم يتعامل مع ابنه كمخرج إلا مرة واحدة في "عمارة يعقوبيان" .



الدرس الرابع

الفنان الحقيقي يستطيع تخطى عقبات الرقابة، هكذا كشف صاحب "البرئ" عن سر المهنة أو بمعنى أدق شفرة التعامل مع الرقابة، كيف تصيب الهدف بشكل غير مباشر فيفهمك الناس ويضع الرقيب مقصه في الدرج، كان يكتب مشاهد زائدة يعلم أنها ستزعج الرقيب ليتنازل عنها لاحقا من أجل تمرير مشاهد أخرى، غير أن جمل الحوار غير المبتذلة، والكلام المناسب لكل شخصية كان أيضا من العوامل المساعدة لتفادي مشكلات عديدة مع الرقابة فقط لأن الرؤية الفنية للسينارست تصل بالفكرة دون المباشرة التي تزعج حامل المقص.

الدرس الخامس

يوسف إدريس نصحه بأن يترك القصة القصيرة ويتجه للدراما، فبدأ من الإذاعة، وطوال المشوار كان الدعم من شخصيات مثل محمود مرسي ورأفت الميهي وغيرهم الكثير دليل على أن الكبير لا ينمو إلا بمساعدة الكبار، درس صاحب "إضحك الصورة تطلع حلوة" هناك موجه للمجتمع ككل، ولشباب الجيل الحالي، أن لا تطور إلا بدعم الكبار لكم، وأن المجتمع لن يستقيم وأجياله منفصلة عن بعضها البعض.

الدرس السادس

"الوتد" كلمة واحدة فقط كانت من نصيب الإعلامية الكبيرة زينب سويدان في الندوة التي استمرت قرابة الساعتين، كلمة واحدة لكن حامد قدم فيها درسا لكل من يظن أن الرجل العظيم يمكن أن ينجح بمفرده، وأن أهم صفات هذا "الوتد" هو التضحية وعدم انتظار الوقوف تحت الأضواء أو الظهور بجوار الزوج ثم الإبن، فقط الاستمتاع بنجاحهما على شاشات السينما وفي المهرجانات لتصل الرسالة أن وراء وحيد ومروان، زوجة عظيمة وأم أعظم. 

الدرس السابع

لن أقول الأخير، فالندوة مليئة بدروس آخرى وأدعوكم للبحث عن نسختها المرئية، يقول حامد بالحرف "كل قرش دخل بيتي وجيبي من قلمي، ولم أكسب أي شئ بجهد حقيقي"، ربما هذه الجملة تحديدا تفسر كل هذا الاحتفاء بوحيد وتوضح سبب بقاء أفلامه، هي رسالة لكل مبدع حقيقي بأن الموهبة وحدها تكفي لو كانت حقيقية وصادقة وتلمس حياة الناس ومشكلاتهم وبعدها ستأتي الأموال والمكاسب التي لا تجعل صاحبها بحاجة للدخول في حسابات معقدة، أو هكذا أخبرنا صاحب "أخر الرجال المحترمين" .

الأربعاء، 7 أكتوبر 2020

رسالة " المعضلة الإجتماعية" : خافوا وإحذروا !

 

وشهد شاهد من وادي السيليكون

 

رسالة " المعضلة الإجتماعية" : خافوا وإحذروا !

 

نقلا عن مجلة صباح الخير

مظلومة الأفلام الوثائقية خصوصا في عالمنا العربي، الجيد منها والمصنوع باحترافية يمكنه إحداث تغيير حقيقي على الأرض أو على الأقل الالقاء بحجر كبير في الماء الراكد، لكننا مازالنا نتعامل مع الوثائقي عربيا على أنه الفيلم الذي يحكي قصص من رحلوا بصوت رخيم ولقطات من الأرشيف، غربيا الوضع تطور كثيرا، وباتت الأفلام الوثائقية لا تقل أهمية عن الروائية الطويلة بل وتنافس على جوائز الأوسكار، لكن فيلم "المعضلة الإجتماعية" الذي تحول إلى "ترند" منذ عرضه لأول مرة قبل عدة أسابيع ذهب بمضامين الأفلام الوثائقية لإتجاه آخر، فنحن أمام فيلم يحذر بعنف من ظاهرة مواقع التواصل الإجتماعي، ويؤكد أن البشر كلهم يقفون أمام "معضلة" تحتاج إلى حل فوري لكن كل الحلول لاتزال حتى الآن مستحيلة التحقيق.


 

المعضلة الإجتماعية أو social dilemma، فيلم للمخرج جيف اورلوفسكي، معروض عبر منصة نتفلكس، ولا أذيع سرا إذا قلت أنه متاح عبر منصات التحميل المجانية التي تسرق الأفلام من المنتجين الأصليين، مدته 100 دقيقة تقريبا، ويتستضيف مجموعة كبيرة من المديرين السابقين  لأكبر منصات التواصل الإجتماعي في وادي السيليكون بأمريكا، مثل فيس بوك وتويتر ويوتيوب ومحرك البحث جوجل، ومنصات أخرى لم تنتشر مصريا بعد مثل بنتريست وغيرها، يقدم هؤلاء المديرين أنفسهم باعتبارهم شهودا وليسوا شركاء في الجريمة التي يقولون أنها لم تكن متعمدة، جريمة اخضاع الناس حول العالم لتلك المواقع وتحويلهم إلى مدمنين وسلع يحصل المؤسسون لتلك الشركاء على أرباحا بالمليارات من ورائهم .

 

بيان رسمي

الفيلم الذي أثار ضجة كبرى لدرجة أن فيس بوك أصدر بيانا رسميا للرد عليه واتهم صناعه بتعمد تجاهل جهود كل المنصات للحفاظ على خصوصية المستخدمين، هذا الفيلم لم يأت بجديد لا يعرفه المستهلك العادي الذي بدأ يلاحظ فعلا أنه مراقب وأن ما يفكر فيه يظهر على الشاشة أمامه ليجعله مرتبطا بالمنصة لأطول مدة ممكنة، لكن المهم الذي طرحه الفيلم هو كيف يحدث هذا وكيف تعمل خوازميات تلك المواقع من أجل الابقاء على المستخدمين لأطول مدة ممكنة على الشاشة، وحسنا فعل جيف اورلوفسكي عندما لجأ إلى طريقة "الديكيو دراما" في المسار الذي نرى فيه المستخدم وهو يسقط تدريجيا في بئر الخوازميات، واستعان بممثل من ثلاث نسخ وكأنهم الخوازميات لنراهم وهم يتابعون المستخدم في كل مكان ويحددون الأولويات التي يجب أن يراها بل عندما دخل المستخدم في رهان مع والدته أن يترك جهازه المحمول لمدة أسبوع مقابل شراء شاشة جديدة، ظلوا وراءه يرسلون الإشعارات حتى نجحوا في اخضاعه قبل مرور اليوم الرابع.



في المشهد السابق تحديدا لاحظت أن الشاب ترك المحمول مفتوحا في مكان بعيد عنه لكن صوت الإشعارات وصل له، وكأنها رسالة غير مباشرة إلى أن الخلاص من إدمان تلك المنصات لن يأتي إلا باغلاق الجهاز نفسه وليس فقط الإبتعاد عنه، غير أنه في الواقع لم يقدم الفيلم حلولا عملية من أجل ذلك، وهو ما انتقدته صحف أوروبية واسترالية في تقاريرها حول الفيلم، الذي استضاف مثلا جارون لانيير مؤلف كتاب "10 أسباب لحذف حساباتك الاجتماعية" لكننا لم نعرف حجم التأثير الذي حققه هذا الكتاب ومدى من اقتنعوا بذلك، وحسب التقارير بأن كثيرين ممن شاهدوا الفيلم قرروا فعلا تقليل عدد ساعات الاستهلاك لكن لازال الوقت مبكرا لمعرفة إلى أي مدى سيصمدون .

أمر غير مسبوق


معضلة فعلا، خصوصا عندما نسمع أحد الخبراء في الفيلم وهو يقول للمشاهدين "كل اجراء تتخذونه يراقب ويسجل بدقة ، الصورة التي تقفون وتنظرون اليها بالضبط ومدة رؤيتكم إياها

أجل، مدة رؤيتكم إياها حقًا "، ويكمل آخر " ‏ ‏يعرفون ‏‏حين يشعر المرء بالوحدة أو الإكتئاب

، يعرفون حين يشاهد الناس صور احبابهم السابقين، يعرفون ما يفعله المرء في الليل وكل شئ

، سواء كنتم انطوائيين او منفتحين، ونوع اضطرابكم العصبي وشخصيتكم ، لديهم معلومات عنا اكثر ، مما كان يُتصور في التاريخ البشري، هذا امر غير مسبوق"

 

يضعنا الفيلم أمام حقائق غابت في سنوات الإنبهار الأولى بتلك المنصات ودورها في تحريك أمور كثيرة راكدة في حياتنا العامة، خصوصا السياسية منها، منها مثلا أن شركات التواصل الإجتماعي تطلق على المستهلك وصف user  وهذا الوصف لا يطلق في أي تجارة آخرى إلى المخدرات، أي أن مدمن الهيروين ومدمن الفيس بوك يشتركان في حمل الوصف نفسه، كذلك فإنه يذكرنا بأن لا شئ مجاني في هذه الحياة، وأنه إذا سمح للناس باستخدام أي شئ بدون مقابل فإنهم في هذه الحالة هم السلعة التي تبيعها تلك المواقع للمعلنين فتدخل الأموال في جيوب مارك زوكربج وجاك دروسي وغيرهم، فيما يدخل الإضطراب والإكتئاب والإنفصام في عقول المستخدمين .

"المعضلة الإجتماعية" جاء ليؤكد أن  مشكلة مواقع التواصل الإجتماعي ليست مصرية أو عربية فقط، وإنما ارتد السحر على الساحر وتعاني منها المجتمعات التي خرجت منها تلك المنصات، وحتى يصل البشر إلى حل مثالي للاستخدام تلك المنصات مع تفادي تأثيراتها المدمرة، تبق رسالة الفيلم قائمة، خافوا وإحذروا .


الخميس، 1 أكتوبر 2020

ماذا بعد انتهاء الفجوة الزمنية في الدراما العسكرية ؟

 محمد عبد الرحمن )نقلا عن الكتاب الذهبي)

قبل عامين فقط كان السؤال المزمن الذي يرافق الإحتفال بذكرى إنتصارات أكتوبر، هو متي تجسد السينما من جديدا بطولات العابرون لتحرير الوطن ؟، القصص لا تنتهي وما قدمته السينما في السبعينات ليس كافيا لا على مستوى المحتوى ولا على مستوى التقنيات التي تطورت بشدة وجعلت الجيل الجديد يتعامل مع الأفلام القديمة بأحكام لم تلجأ إليها الأجيال السابقة، ليأتي النجاح الطاغي لفيلم الممر ومن بعده مسلسل الإختيار ليذهب بالسؤال المزمن إلى الأرشيف، وتنسد أخيرا الفجوة الزمنية التي جعلت أفلام أكتوبر من حيث الكم أقل  بكثير بالمقارنة بعظمة وتاريخية الحدث، لكن سؤالا آخر خرج وفرض نفسه بقوة، وهو ما الذي ستقدمه السينما والدراما في المرحلة المقبلة حتى لا تعود الفجوة وتفرض نفسها من جديد.

 

لماذا توقفت أفلام أكتوبر كل هذه السنوات وكيف وبأي شكل عادت، بشكل شخصي سعيد أنني أكتب لأول مرة عن هذه المناسبة وقد وجدت جديدا أقوله، فمعظم الصحفيين الذين دخلوا مجال الصحافة الفنية منذ بداية التسعينات نفذوا التحقيق القائم على السؤال منتهي الصلاحية المشار إليه في المقدمة أكثر من مرة، وربما كانوا يعيدون نشر التحقيقات كما هي في كل سنة مع بعض التغييرات، كانت التحقيقات تقوم على استعراض أبرز الأفلام ثم الاتصال بالمخرجين والنقاد وسؤالهم عن أهمية تقديم أفلام جديدة ولماذا لا يحدث ذلك، غير أنه إحقاقا للحق كانت هناك أفلاما جديدة فعلا خصوصا في التسعينيات، لنقل أن الثمانينات شهدت تراجعا واضحا بعد دفعة من الأفلام التي أعقبت الحرب في سنوات ما بعد العبور، لكن في التسعينات بدأت العجلة تدور من جديد لكن على استحياء أو بعيدا عن أرض سيناء نفسها .

الطريق إلى حكايات الغريب


تدور العجلة على استحياء المقصود بها هنا أن الأفلام كانت قليلة ومتباعدة وافتقدت للطابع السينمائي ومعظمها كانت تلفزيونية، وأبرزها على الإطلاق "الطريق إلى إيلات"، الذي دار عن عملية اغراق المدمرة الاسرائيلية إيلات بعد أربعة أشهر من النكسة وتحديدا في أكتوبر 1967، أما بعيدا عن أرض سيناء فمثلا فيلم عظيم مثل "حكايات الغريب" لا يدور عن الحرب نفسها وإنما عن قصة سائق سيارة مؤسسة صحفية مفقود خلال حصار السويس الذي أعقب العبور، على نفس الخط أفلام مثل "يوم الكرامة" الذي عرض عام 2004 دار أيضا في معركة حربية لكن الفيلم نفسه لم يحقق أي نجاح، وفيلم "حائط البطولات" عن كفاح قوات الدفاع الجوي تم تعطيل عرضه لمدة 12 سنة، بالتالي بقت أفلام السبعينات هي المرتبطة بحرب أكتوبر وبأرض سيناء بشكل مباشر، وإن خرج عام 2016 فيلم بعنوان "أسد سيناء" عن بطولة أحد جنود المظلات خلال الحرب لكنه فنيا وعلى مستوى اختيارات الأبطال لم يحقق انتشارا جماهيريا.

إذن الفجوة ليست ممتدة منذ نهاية السبعينات وحتى عرض فيلم الممر، تخللت تلك الفترة بعض الأعمال، لكن اعتبرت الفجوة طويلة ومستمرة قرابة ثلاثين عاما، لأنه باستثناء" الطريق إلى ايلات" لم تظهر أعمال بها معارك حربية نجحت في جذب انتباه الجمهور خصوصا الأجيال الأحدث.

الكم وحده ليس المشكلة


لماذا أركز مرة أخرى على الأجيال الأحدث، لأن الأزمة لم تكن فقط في أن أفلام السبعينات قليلة ولم تغطي كل البطولات، فحتى لو شهدت تلك الفترة انتاج عشرين فيلما مثلا، لم يكن يعني ذلك أن نخرج ونقول كفى أفلاما عن حرب أكتوبر، لأن الكم لم يكن وحده المشكلة بل الكيف، فمع تطور تقنيات صناعة السينما فيما يخص الجرافيك والمؤثرات الصوتية ومع استهلاك اللقطات الأرشيفية للحرب في الأفلام الأولى بات على صناع السينما إدارك أن الجمهور المولود بعد العبور بعشرة سنوات وأكثر نشأ على متابعة السينما الغربية التي تقدم أفلام حربية على أعلى مستوى وبتطور مستمر، بل إن ألعاب الحرب الإلكترونية التي يمارسها المراهقون على هواتفهم النقالة تقنياتها مرتفعة للغاية، بالتالي لا يستقيم أن تطالبا شابا في العشرين من عمره يشاهد أفلام ستيفين سبيلبرج ويلعب بابجي أن يتفاعل مع فيلم "الرصاصة لا تزال في جيبي" إنتاج عام 1974، هذا الفيلم الجميل الذي أبدعه فنانون مصريون في وقت قياسي ودخل قلوبنا في حينه، يمكن أن يتابعه الجيل الجديد ليعرف الفرق بين كواليس انتاج الأفلام زمان وكيف كان صانعوها يبذلون مجهودا مضاعف بدون إمكانات الجرافيك وبين الأفلام الجديدة التي تقدم بطولات مصرية لا تنتهي، هناك المعضلة أن الطرف الثاني في المعادلة كانت غائبا، فتعرضت أفلام السبعينات لانتقادات باطلة من هؤلاء الذين يطبقون معايير الزمن الحالي على أفلام انتجها السينمائيون قبل 4 عقود مع أن كل من هذه الأفلام يحمل بداخله جماليات نادرة التكرار نتجت عن مصداقية شديدة تعامل بها صناعها في ذلك الحين فلم تكن النية تجارية أبدا في تلك المشروعات.

بجانب "الرصاصة لا تزال في جيبي" ، كثيرون يعتبرون "العمر لحظة" أحد أفضل أفلام الراحلة ماجدة الصباحي والذي منح البطولة لأول مرة للممثل المظلوم الراحل محمد خيري، الفيلم الذي أكد أهمية الصحافة – الميديا بلغة هذه الأيام- في دعم الجيش، وكيف ترك الصحفية المحبة لبلدها الرافضة للهزيمة حياة السهر والترف لزوجها وقررت أن تعيش على الجبهة لنعرف منها ماذا يشعر الأبطال وكيف يعانون بين عطشهم للعبور والنصر وقلقهم على أبنائهم وأسرهم خصوصا في حال استشهادهم.

ثلاثية محمود ياسين


وبالعودة لمحمود ياسين المنصف باعتبار البطل الأكثر تكرار في أفلام الحرب، فهو تصنيف يستحقه وأي مخرج في تلك المرحلة بالتأكيد كان يرى فيه نموذج للضابط والجندي المصري بجانب آخرون بالطبع استحقوا هذا الشرف، قدم ياسين فيلم "الوفاء العظيم" وفيلم "بدور" وكلا الفيلمين اهتم كثيرا باظهار حال الجبهة الداخلية ودعمها التام للجنود على خطوط القتال، لنعترف طبعا أن الإمكانات الفنية لم تكن تسمح بتقديم فيلم حربي كامل كما شاهدنا في الممر عام 2019 ، لكن القضية الأخرى كانت في أن الشعب في تلك المرحلة سعيدا بالنصر بشكل كلي وأن البطولات الفردية لم تظهر إلا تدريجيا، وهو ما سنتناوله بالتفصيل عندما نصل بعد قليل لما يجب أن تصبح عليه الدراما العسكرية في المستقبل القريب.

فيلم "أبناء الصمت" لنور الشريف وميرفت أمين أحد الأفلام التي لا يمكن المرور عليه مرور الكرام، فقد عشنا من خلاله مع الجنود في خنادقهم وكيف صبروا ست سنوات كاملة حتى يمحوا عار هزيمة لم تحدث بسببهم، والفيلم استعرض أيضا أن الحرب لم تكن ضد العدو فقط، وإنما ضد كل نفعي ومستغل داخل المجتمع، وهي بالمناسبة تيمة تكررت في معظم أفلام حرب أكتوبر .



نقاط التحول


دعونا لا ننجرف للأرشيف القديم كثيرا، فكلنا نحفظه عن ظهر قلب، ونذهب إلى نقطة التحول الثنائية، التي فتحت الأفق من جديد لتقديم دراما عسكرية، سينمائية كانت أم تلفزيونية تناسب بطولات الجيش المصري التي لا تنقطع، فإذا كانت القضية قد ظلت لسنوات طويلة تدور حول بطولات جيش أكتوبر، فمنذ 7 سنوات وأكثر يسطر أبناء أبطال العبور بطولات أخرى للحفاظ على الأرض التي حررها الأباء، لكن البطولات هذه المرة ليست في حرب نظامية وإنما حرب من نوع آخر مع جماعات تكفيرية هدفها زعزعة الإستقرار وتغيير معطيات السياسة .

 

يونيو 2019 كانت نقطة التحول الأولى، العرض الجماهيري لفيلم "الممر" في ذكرى نكسة يونيو، فيلم حربي في سباق عيد الفطر هل ينجح، فعلها فعلا ونجح وبقى في دور العرض حتى موسم عيد الأضحى ثم تم طرحه عبر منصة واتش آيت وبعدها بفترة بسيطة عرض تلفزيونيا في ذكرى حرب أكتوبر السادسة والأربعين ليتابع المصريون والعرب لأول مرة فيلما جديدا عن حرب الاستنزاف وأيا كان الجدل حول الفيلم وأداء الأبطال، فإن الاتفاق كان واضحا حول أهمية التجربة والمستوى المرتفع للجرافيك والمؤثرات البصرية، لتبدأ بعد ذلك بشهور نقطة التحول الثانية، والتي تمثلت في عرض مسلسل "الإختيار" عن بطولات الشهيد العقيد أحمد صابر منسي الشهير بالأسطورة والذي نال الشهادة في يوليو 2017 في معركة كمين البرث الشهيرة، ليفاجئ الجمهور الذي كان ينتظر دوما فيلما عن الحرب مدته ساعتين بمسلسل حربي مدته 22 ساعة، وأيضا أيا كان الجدل حول التفاصيل فإن الحدث فنيا ونفسيا ترك أثرا لا يمكن اغفاله وأغضب الكثيرين خارج البلاد الذين كانوا يمنون أنفسهم بأن لا تقوم السينما والدراما بالدور المنوط بها من أجل رفع الروح المعنوية وتعريف الشعب ببطولات الجيش المصري قديما وحديثا.

ماذا يجب أن يحدث إذن بعدما سدت الفجوة أخيرا؟، فيلم ومسلسل في عام واحد، من المفترض أن نتابع في رمضان المقبل جزءا جديدا من الإختيار لكنه سيكون مخصصا لبطولات الشرطة المصرية حسب المتاح من معلومات، أي أن الطريق بات مفتوحا لكن هل يلتقط المبدعون الخيط وينسجون دراما مناسبة للمتغيرات التي شهدها الإنتاج الفني في السنوات الخمس الأخيرة .

الوسائط المتاحة


دعنا نقول أن هناك ثلاثة وسائط باتت الآن متاحة، بعدما ظلت الحصرية للسينما قرابة أربعة عقود، الدراما دخلت على الخط، الجهات الإنتاج بعد نجاح الإختيار لم تعد تخشى من تقديم ثلاثين حلقة دفعة واحدة، بل أتوقع زيادة المحتوى الحربي بالمقارنة بالمحتوى الإجتماعي داخل نفس المسلسل، في الإختيار على سبيل المثال كان ارتباط الجمهور أكبر بالمحتوى الخاص بالمعارك أو الذي كان يدور في كواليس وحدات الجيش المصري وليس منازل الأبطال، وهو أمر بالمناسبة متعارف عليها في السينما الحربية، أفلام مثل "انقاذ الجندي رايان" و" 1917 " كل مشاهدها تقريبا في أرض المعركة، الجمهور ليس في حاجة ماسة لمشاهد الأبطال مع أبنائهم وعائلاتهم، لكن الدراما التلفزيونية ستحتاج المزيد من الوقت للخروج من هذه المعادلة، فيما السينما خرجت فعلا والدليل أن فيلم "الممر" كانت 80 % من أحداثه على الأقل في أرض سيناء، ولا يذكر الجمهور خارج ذلك سوى مشهد السنترال ومشهد البطل أحمد عز مع زوجته وجسدتها هند صبري، والمطلوب أن تسير الأفلام السينمائية على نفس المسار فيما هو قادم، وأن يتم اختيار قصص تناسب مدة الفيلم التي تتراوح ما بين 100 إلى 150 دقيقة، أما في الدراما فالمهمة أصعب وهي أن تملأ الثلاثين حلقة بأحداث حربية دون الحاجة للعودة للمدن.

حسنا، تكلمنا حتى الآن عن وسيلتين، السينما والدراما، فما هي الوسيلة الثالثة، قبل أن أذكرها أقول أنها بمثابة الهدية لصناع الدراما الحربية في شكلها الجديد، منصات المشاهدة المدفوعة مسبقا وفي مقدمتها واتش إيت، تتيح لصناع الدراما العسكرية مجالات أوسع للحركة، فمعظم مسلسلات تلك المنصات تقع ما بين 6 حلقات إلى 15، والمتوسط الأكثر تكرار هو عشرة حلقات وربما أقل، وكل حلقة مدتها ما بين 40 إلى 50 دقيقة، أي أن العمل الذي لا تزيد حلقاته عن عشرة سيشاهده الجمهور في قرابة ثماني ساعات، وهو ما يتيح تقديم معارك وبطولات لا يكفيها فيلم وفي نفس الوقت لا تحتاج لمسلسل ثلاثين حلقة، كما أن المتابع من الجيل الجديد لا ينتظر موعد العرض الرمضاني يوميا، بل قد يشاهد الحلقات متتالية في جلسة أو جلستين على أقصى تقدير .

بناء على ما سبق، ونحن في انتظار عدم عودة الفجوة مرة آخرى، يمكن أن نقول من خلال هذا التحليل، أن النجاح الذي حققه فيلم الممر ومسلسل الإختيار فتح الباب أمام عودة لا تنقطع للدراما الحربية، لكن هذه المرة يجب على صناع الأعمال والمشرفين على تنفيذها من المختصين مراعاة أن تناسب القصص المعروضة الوسائل الثلاثة، فما يصلح للسينما قد لا يصلح للتلفزيون وبالتأكيد هناك قصص تصلح للمنصات المدفوعة مسبقا وحسب، وهي التي تدور حول بطولات لعمليات تحدث في نطاق زمني محدود، وليست ممتدة لأسابيع وشهور، إلا لو خرج المسلسل على عدة أجزاء وهو ما يمكن أن يحدث لو أقبل الجمهور على الجزء الأول بشغف .