الأربعاء، 7 أكتوبر 2020

رسالة " المعضلة الإجتماعية" : خافوا وإحذروا !

 

وشهد شاهد من وادي السيليكون

 

رسالة " المعضلة الإجتماعية" : خافوا وإحذروا !

 

نقلا عن مجلة صباح الخير

مظلومة الأفلام الوثائقية خصوصا في عالمنا العربي، الجيد منها والمصنوع باحترافية يمكنه إحداث تغيير حقيقي على الأرض أو على الأقل الالقاء بحجر كبير في الماء الراكد، لكننا مازالنا نتعامل مع الوثائقي عربيا على أنه الفيلم الذي يحكي قصص من رحلوا بصوت رخيم ولقطات من الأرشيف، غربيا الوضع تطور كثيرا، وباتت الأفلام الوثائقية لا تقل أهمية عن الروائية الطويلة بل وتنافس على جوائز الأوسكار، لكن فيلم "المعضلة الإجتماعية" الذي تحول إلى "ترند" منذ عرضه لأول مرة قبل عدة أسابيع ذهب بمضامين الأفلام الوثائقية لإتجاه آخر، فنحن أمام فيلم يحذر بعنف من ظاهرة مواقع التواصل الإجتماعي، ويؤكد أن البشر كلهم يقفون أمام "معضلة" تحتاج إلى حل فوري لكن كل الحلول لاتزال حتى الآن مستحيلة التحقيق.


 

المعضلة الإجتماعية أو social dilemma، فيلم للمخرج جيف اورلوفسكي، معروض عبر منصة نتفلكس، ولا أذيع سرا إذا قلت أنه متاح عبر منصات التحميل المجانية التي تسرق الأفلام من المنتجين الأصليين، مدته 100 دقيقة تقريبا، ويتستضيف مجموعة كبيرة من المديرين السابقين  لأكبر منصات التواصل الإجتماعي في وادي السيليكون بأمريكا، مثل فيس بوك وتويتر ويوتيوب ومحرك البحث جوجل، ومنصات أخرى لم تنتشر مصريا بعد مثل بنتريست وغيرها، يقدم هؤلاء المديرين أنفسهم باعتبارهم شهودا وليسوا شركاء في الجريمة التي يقولون أنها لم تكن متعمدة، جريمة اخضاع الناس حول العالم لتلك المواقع وتحويلهم إلى مدمنين وسلع يحصل المؤسسون لتلك الشركاء على أرباحا بالمليارات من ورائهم .

 

بيان رسمي

الفيلم الذي أثار ضجة كبرى لدرجة أن فيس بوك أصدر بيانا رسميا للرد عليه واتهم صناعه بتعمد تجاهل جهود كل المنصات للحفاظ على خصوصية المستخدمين، هذا الفيلم لم يأت بجديد لا يعرفه المستهلك العادي الذي بدأ يلاحظ فعلا أنه مراقب وأن ما يفكر فيه يظهر على الشاشة أمامه ليجعله مرتبطا بالمنصة لأطول مدة ممكنة، لكن المهم الذي طرحه الفيلم هو كيف يحدث هذا وكيف تعمل خوازميات تلك المواقع من أجل الابقاء على المستخدمين لأطول مدة ممكنة على الشاشة، وحسنا فعل جيف اورلوفسكي عندما لجأ إلى طريقة "الديكيو دراما" في المسار الذي نرى فيه المستخدم وهو يسقط تدريجيا في بئر الخوازميات، واستعان بممثل من ثلاث نسخ وكأنهم الخوازميات لنراهم وهم يتابعون المستخدم في كل مكان ويحددون الأولويات التي يجب أن يراها بل عندما دخل المستخدم في رهان مع والدته أن يترك جهازه المحمول لمدة أسبوع مقابل شراء شاشة جديدة، ظلوا وراءه يرسلون الإشعارات حتى نجحوا في اخضاعه قبل مرور اليوم الرابع.



في المشهد السابق تحديدا لاحظت أن الشاب ترك المحمول مفتوحا في مكان بعيد عنه لكن صوت الإشعارات وصل له، وكأنها رسالة غير مباشرة إلى أن الخلاص من إدمان تلك المنصات لن يأتي إلا باغلاق الجهاز نفسه وليس فقط الإبتعاد عنه، غير أنه في الواقع لم يقدم الفيلم حلولا عملية من أجل ذلك، وهو ما انتقدته صحف أوروبية واسترالية في تقاريرها حول الفيلم، الذي استضاف مثلا جارون لانيير مؤلف كتاب "10 أسباب لحذف حساباتك الاجتماعية" لكننا لم نعرف حجم التأثير الذي حققه هذا الكتاب ومدى من اقتنعوا بذلك، وحسب التقارير بأن كثيرين ممن شاهدوا الفيلم قرروا فعلا تقليل عدد ساعات الاستهلاك لكن لازال الوقت مبكرا لمعرفة إلى أي مدى سيصمدون .

أمر غير مسبوق


معضلة فعلا، خصوصا عندما نسمع أحد الخبراء في الفيلم وهو يقول للمشاهدين "كل اجراء تتخذونه يراقب ويسجل بدقة ، الصورة التي تقفون وتنظرون اليها بالضبط ومدة رؤيتكم إياها

أجل، مدة رؤيتكم إياها حقًا "، ويكمل آخر " ‏ ‏يعرفون ‏‏حين يشعر المرء بالوحدة أو الإكتئاب

، يعرفون حين يشاهد الناس صور احبابهم السابقين، يعرفون ما يفعله المرء في الليل وكل شئ

، سواء كنتم انطوائيين او منفتحين، ونوع اضطرابكم العصبي وشخصيتكم ، لديهم معلومات عنا اكثر ، مما كان يُتصور في التاريخ البشري، هذا امر غير مسبوق"

 

يضعنا الفيلم أمام حقائق غابت في سنوات الإنبهار الأولى بتلك المنصات ودورها في تحريك أمور كثيرة راكدة في حياتنا العامة، خصوصا السياسية منها، منها مثلا أن شركات التواصل الإجتماعي تطلق على المستهلك وصف user  وهذا الوصف لا يطلق في أي تجارة آخرى إلى المخدرات، أي أن مدمن الهيروين ومدمن الفيس بوك يشتركان في حمل الوصف نفسه، كذلك فإنه يذكرنا بأن لا شئ مجاني في هذه الحياة، وأنه إذا سمح للناس باستخدام أي شئ بدون مقابل فإنهم في هذه الحالة هم السلعة التي تبيعها تلك المواقع للمعلنين فتدخل الأموال في جيوب مارك زوكربج وجاك دروسي وغيرهم، فيما يدخل الإضطراب والإكتئاب والإنفصام في عقول المستخدمين .

"المعضلة الإجتماعية" جاء ليؤكد أن  مشكلة مواقع التواصل الإجتماعي ليست مصرية أو عربية فقط، وإنما ارتد السحر على الساحر وتعاني منها المجتمعات التي خرجت منها تلك المنصات، وحتى يصل البشر إلى حل مثالي للاستخدام تلك المنصات مع تفادي تأثيراتها المدمرة، تبق رسالة الفيلم قائمة، خافوا وإحذروا .


الخميس، 1 أكتوبر 2020

ماذا بعد انتهاء الفجوة الزمنية في الدراما العسكرية ؟

 محمد عبد الرحمن )نقلا عن الكتاب الذهبي)

قبل عامين فقط كان السؤال المزمن الذي يرافق الإحتفال بذكرى إنتصارات أكتوبر، هو متي تجسد السينما من جديدا بطولات العابرون لتحرير الوطن ؟، القصص لا تنتهي وما قدمته السينما في السبعينات ليس كافيا لا على مستوى المحتوى ولا على مستوى التقنيات التي تطورت بشدة وجعلت الجيل الجديد يتعامل مع الأفلام القديمة بأحكام لم تلجأ إليها الأجيال السابقة، ليأتي النجاح الطاغي لفيلم الممر ومن بعده مسلسل الإختيار ليذهب بالسؤال المزمن إلى الأرشيف، وتنسد أخيرا الفجوة الزمنية التي جعلت أفلام أكتوبر من حيث الكم أقل  بكثير بالمقارنة بعظمة وتاريخية الحدث، لكن سؤالا آخر خرج وفرض نفسه بقوة، وهو ما الذي ستقدمه السينما والدراما في المرحلة المقبلة حتى لا تعود الفجوة وتفرض نفسها من جديد.

 

لماذا توقفت أفلام أكتوبر كل هذه السنوات وكيف وبأي شكل عادت، بشكل شخصي سعيد أنني أكتب لأول مرة عن هذه المناسبة وقد وجدت جديدا أقوله، فمعظم الصحفيين الذين دخلوا مجال الصحافة الفنية منذ بداية التسعينات نفذوا التحقيق القائم على السؤال منتهي الصلاحية المشار إليه في المقدمة أكثر من مرة، وربما كانوا يعيدون نشر التحقيقات كما هي في كل سنة مع بعض التغييرات، كانت التحقيقات تقوم على استعراض أبرز الأفلام ثم الاتصال بالمخرجين والنقاد وسؤالهم عن أهمية تقديم أفلام جديدة ولماذا لا يحدث ذلك، غير أنه إحقاقا للحق كانت هناك أفلاما جديدة فعلا خصوصا في التسعينيات، لنقل أن الثمانينات شهدت تراجعا واضحا بعد دفعة من الأفلام التي أعقبت الحرب في سنوات ما بعد العبور، لكن في التسعينات بدأت العجلة تدور من جديد لكن على استحياء أو بعيدا عن أرض سيناء نفسها .

الطريق إلى حكايات الغريب


تدور العجلة على استحياء المقصود بها هنا أن الأفلام كانت قليلة ومتباعدة وافتقدت للطابع السينمائي ومعظمها كانت تلفزيونية، وأبرزها على الإطلاق "الطريق إلى إيلات"، الذي دار عن عملية اغراق المدمرة الاسرائيلية إيلات بعد أربعة أشهر من النكسة وتحديدا في أكتوبر 1967، أما بعيدا عن أرض سيناء فمثلا فيلم عظيم مثل "حكايات الغريب" لا يدور عن الحرب نفسها وإنما عن قصة سائق سيارة مؤسسة صحفية مفقود خلال حصار السويس الذي أعقب العبور، على نفس الخط أفلام مثل "يوم الكرامة" الذي عرض عام 2004 دار أيضا في معركة حربية لكن الفيلم نفسه لم يحقق أي نجاح، وفيلم "حائط البطولات" عن كفاح قوات الدفاع الجوي تم تعطيل عرضه لمدة 12 سنة، بالتالي بقت أفلام السبعينات هي المرتبطة بحرب أكتوبر وبأرض سيناء بشكل مباشر، وإن خرج عام 2016 فيلم بعنوان "أسد سيناء" عن بطولة أحد جنود المظلات خلال الحرب لكنه فنيا وعلى مستوى اختيارات الأبطال لم يحقق انتشارا جماهيريا.

إذن الفجوة ليست ممتدة منذ نهاية السبعينات وحتى عرض فيلم الممر، تخللت تلك الفترة بعض الأعمال، لكن اعتبرت الفجوة طويلة ومستمرة قرابة ثلاثين عاما، لأنه باستثناء" الطريق إلى ايلات" لم تظهر أعمال بها معارك حربية نجحت في جذب انتباه الجمهور خصوصا الأجيال الأحدث.

الكم وحده ليس المشكلة


لماذا أركز مرة أخرى على الأجيال الأحدث، لأن الأزمة لم تكن فقط في أن أفلام السبعينات قليلة ولم تغطي كل البطولات، فحتى لو شهدت تلك الفترة انتاج عشرين فيلما مثلا، لم يكن يعني ذلك أن نخرج ونقول كفى أفلاما عن حرب أكتوبر، لأن الكم لم يكن وحده المشكلة بل الكيف، فمع تطور تقنيات صناعة السينما فيما يخص الجرافيك والمؤثرات الصوتية ومع استهلاك اللقطات الأرشيفية للحرب في الأفلام الأولى بات على صناع السينما إدارك أن الجمهور المولود بعد العبور بعشرة سنوات وأكثر نشأ على متابعة السينما الغربية التي تقدم أفلام حربية على أعلى مستوى وبتطور مستمر، بل إن ألعاب الحرب الإلكترونية التي يمارسها المراهقون على هواتفهم النقالة تقنياتها مرتفعة للغاية، بالتالي لا يستقيم أن تطالبا شابا في العشرين من عمره يشاهد أفلام ستيفين سبيلبرج ويلعب بابجي أن يتفاعل مع فيلم "الرصاصة لا تزال في جيبي" إنتاج عام 1974، هذا الفيلم الجميل الذي أبدعه فنانون مصريون في وقت قياسي ودخل قلوبنا في حينه، يمكن أن يتابعه الجيل الجديد ليعرف الفرق بين كواليس انتاج الأفلام زمان وكيف كان صانعوها يبذلون مجهودا مضاعف بدون إمكانات الجرافيك وبين الأفلام الجديدة التي تقدم بطولات مصرية لا تنتهي، هناك المعضلة أن الطرف الثاني في المعادلة كانت غائبا، فتعرضت أفلام السبعينات لانتقادات باطلة من هؤلاء الذين يطبقون معايير الزمن الحالي على أفلام انتجها السينمائيون قبل 4 عقود مع أن كل من هذه الأفلام يحمل بداخله جماليات نادرة التكرار نتجت عن مصداقية شديدة تعامل بها صناعها في ذلك الحين فلم تكن النية تجارية أبدا في تلك المشروعات.

بجانب "الرصاصة لا تزال في جيبي" ، كثيرون يعتبرون "العمر لحظة" أحد أفضل أفلام الراحلة ماجدة الصباحي والذي منح البطولة لأول مرة للممثل المظلوم الراحل محمد خيري، الفيلم الذي أكد أهمية الصحافة – الميديا بلغة هذه الأيام- في دعم الجيش، وكيف ترك الصحفية المحبة لبلدها الرافضة للهزيمة حياة السهر والترف لزوجها وقررت أن تعيش على الجبهة لنعرف منها ماذا يشعر الأبطال وكيف يعانون بين عطشهم للعبور والنصر وقلقهم على أبنائهم وأسرهم خصوصا في حال استشهادهم.

ثلاثية محمود ياسين


وبالعودة لمحمود ياسين المنصف باعتبار البطل الأكثر تكرار في أفلام الحرب، فهو تصنيف يستحقه وأي مخرج في تلك المرحلة بالتأكيد كان يرى فيه نموذج للضابط والجندي المصري بجانب آخرون بالطبع استحقوا هذا الشرف، قدم ياسين فيلم "الوفاء العظيم" وفيلم "بدور" وكلا الفيلمين اهتم كثيرا باظهار حال الجبهة الداخلية ودعمها التام للجنود على خطوط القتال، لنعترف طبعا أن الإمكانات الفنية لم تكن تسمح بتقديم فيلم حربي كامل كما شاهدنا في الممر عام 2019 ، لكن القضية الأخرى كانت في أن الشعب في تلك المرحلة سعيدا بالنصر بشكل كلي وأن البطولات الفردية لم تظهر إلا تدريجيا، وهو ما سنتناوله بالتفصيل عندما نصل بعد قليل لما يجب أن تصبح عليه الدراما العسكرية في المستقبل القريب.

فيلم "أبناء الصمت" لنور الشريف وميرفت أمين أحد الأفلام التي لا يمكن المرور عليه مرور الكرام، فقد عشنا من خلاله مع الجنود في خنادقهم وكيف صبروا ست سنوات كاملة حتى يمحوا عار هزيمة لم تحدث بسببهم، والفيلم استعرض أيضا أن الحرب لم تكن ضد العدو فقط، وإنما ضد كل نفعي ومستغل داخل المجتمع، وهي بالمناسبة تيمة تكررت في معظم أفلام حرب أكتوبر .



نقاط التحول


دعونا لا ننجرف للأرشيف القديم كثيرا، فكلنا نحفظه عن ظهر قلب، ونذهب إلى نقطة التحول الثنائية، التي فتحت الأفق من جديد لتقديم دراما عسكرية، سينمائية كانت أم تلفزيونية تناسب بطولات الجيش المصري التي لا تنقطع، فإذا كانت القضية قد ظلت لسنوات طويلة تدور حول بطولات جيش أكتوبر، فمنذ 7 سنوات وأكثر يسطر أبناء أبطال العبور بطولات أخرى للحفاظ على الأرض التي حررها الأباء، لكن البطولات هذه المرة ليست في حرب نظامية وإنما حرب من نوع آخر مع جماعات تكفيرية هدفها زعزعة الإستقرار وتغيير معطيات السياسة .

 

يونيو 2019 كانت نقطة التحول الأولى، العرض الجماهيري لفيلم "الممر" في ذكرى نكسة يونيو، فيلم حربي في سباق عيد الفطر هل ينجح، فعلها فعلا ونجح وبقى في دور العرض حتى موسم عيد الأضحى ثم تم طرحه عبر منصة واتش آيت وبعدها بفترة بسيطة عرض تلفزيونيا في ذكرى حرب أكتوبر السادسة والأربعين ليتابع المصريون والعرب لأول مرة فيلما جديدا عن حرب الاستنزاف وأيا كان الجدل حول الفيلم وأداء الأبطال، فإن الاتفاق كان واضحا حول أهمية التجربة والمستوى المرتفع للجرافيك والمؤثرات البصرية، لتبدأ بعد ذلك بشهور نقطة التحول الثانية، والتي تمثلت في عرض مسلسل "الإختيار" عن بطولات الشهيد العقيد أحمد صابر منسي الشهير بالأسطورة والذي نال الشهادة في يوليو 2017 في معركة كمين البرث الشهيرة، ليفاجئ الجمهور الذي كان ينتظر دوما فيلما عن الحرب مدته ساعتين بمسلسل حربي مدته 22 ساعة، وأيضا أيا كان الجدل حول التفاصيل فإن الحدث فنيا ونفسيا ترك أثرا لا يمكن اغفاله وأغضب الكثيرين خارج البلاد الذين كانوا يمنون أنفسهم بأن لا تقوم السينما والدراما بالدور المنوط بها من أجل رفع الروح المعنوية وتعريف الشعب ببطولات الجيش المصري قديما وحديثا.

ماذا يجب أن يحدث إذن بعدما سدت الفجوة أخيرا؟، فيلم ومسلسل في عام واحد، من المفترض أن نتابع في رمضان المقبل جزءا جديدا من الإختيار لكنه سيكون مخصصا لبطولات الشرطة المصرية حسب المتاح من معلومات، أي أن الطريق بات مفتوحا لكن هل يلتقط المبدعون الخيط وينسجون دراما مناسبة للمتغيرات التي شهدها الإنتاج الفني في السنوات الخمس الأخيرة .

الوسائط المتاحة


دعنا نقول أن هناك ثلاثة وسائط باتت الآن متاحة، بعدما ظلت الحصرية للسينما قرابة أربعة عقود، الدراما دخلت على الخط، الجهات الإنتاج بعد نجاح الإختيار لم تعد تخشى من تقديم ثلاثين حلقة دفعة واحدة، بل أتوقع زيادة المحتوى الحربي بالمقارنة بالمحتوى الإجتماعي داخل نفس المسلسل، في الإختيار على سبيل المثال كان ارتباط الجمهور أكبر بالمحتوى الخاص بالمعارك أو الذي كان يدور في كواليس وحدات الجيش المصري وليس منازل الأبطال، وهو أمر بالمناسبة متعارف عليها في السينما الحربية، أفلام مثل "انقاذ الجندي رايان" و" 1917 " كل مشاهدها تقريبا في أرض المعركة، الجمهور ليس في حاجة ماسة لمشاهد الأبطال مع أبنائهم وعائلاتهم، لكن الدراما التلفزيونية ستحتاج المزيد من الوقت للخروج من هذه المعادلة، فيما السينما خرجت فعلا والدليل أن فيلم "الممر" كانت 80 % من أحداثه على الأقل في أرض سيناء، ولا يذكر الجمهور خارج ذلك سوى مشهد السنترال ومشهد البطل أحمد عز مع زوجته وجسدتها هند صبري، والمطلوب أن تسير الأفلام السينمائية على نفس المسار فيما هو قادم، وأن يتم اختيار قصص تناسب مدة الفيلم التي تتراوح ما بين 100 إلى 150 دقيقة، أما في الدراما فالمهمة أصعب وهي أن تملأ الثلاثين حلقة بأحداث حربية دون الحاجة للعودة للمدن.

حسنا، تكلمنا حتى الآن عن وسيلتين، السينما والدراما، فما هي الوسيلة الثالثة، قبل أن أذكرها أقول أنها بمثابة الهدية لصناع الدراما الحربية في شكلها الجديد، منصات المشاهدة المدفوعة مسبقا وفي مقدمتها واتش إيت، تتيح لصناع الدراما العسكرية مجالات أوسع للحركة، فمعظم مسلسلات تلك المنصات تقع ما بين 6 حلقات إلى 15، والمتوسط الأكثر تكرار هو عشرة حلقات وربما أقل، وكل حلقة مدتها ما بين 40 إلى 50 دقيقة، أي أن العمل الذي لا تزيد حلقاته عن عشرة سيشاهده الجمهور في قرابة ثماني ساعات، وهو ما يتيح تقديم معارك وبطولات لا يكفيها فيلم وفي نفس الوقت لا تحتاج لمسلسل ثلاثين حلقة، كما أن المتابع من الجيل الجديد لا ينتظر موعد العرض الرمضاني يوميا، بل قد يشاهد الحلقات متتالية في جلسة أو جلستين على أقصى تقدير .

بناء على ما سبق، ونحن في انتظار عدم عودة الفجوة مرة آخرى، يمكن أن نقول من خلال هذا التحليل، أن النجاح الذي حققه فيلم الممر ومسلسل الإختيار فتح الباب أمام عودة لا تنقطع للدراما الحربية، لكن هذه المرة يجب على صناع الأعمال والمشرفين على تنفيذها من المختصين مراعاة أن تناسب القصص المعروضة الوسائل الثلاثة، فما يصلح للسينما قد لا يصلح للتلفزيون وبالتأكيد هناك قصص تصلح للمنصات المدفوعة مسبقا وحسب، وهي التي تدور حول بطولات لعمليات تحدث في نطاق زمني محدود، وليست ممتدة لأسابيع وشهور، إلا لو خرج المسلسل على عدة أجزاء وهو ما يمكن أن يحدث لو أقبل الجمهور على الجزء الأول بشغف .

الاثنين، 24 أغسطس 2020

يوسف شريف رزق الله.. أبانا الذي علمنا السينما

 

نشر هذا المقال لأول مرة في مجلة صباح الخير نوفمبر 2017 وتم بالفعل تكريم الأستاذ يوسف شريف رزق الله في دورة مهرجان القاهرة الأربعين نوفمبر 2018

 

الإخلاص هو كلمة السر التي يفسر الحب الجارف الذي يحاط به يوسف شريف رزق الله سواء من رفاق جيله أو من أجيال تالية تربوا سينمائيا على يديه، أخلص محب السينما العالمية رقم 1 في مصر لما أحب فجنى الثمار احتراما وتقديرا حتى من الجيل الذي ارتبط بالسينما العالمية بعيدا عن ماسبيرو وبرامج يوسف شريف رزق الله الذي علمنا من خلالها قواعد فن السينما.

 

صحيح أن الأخبار والمتابعات والتغطيات التي تواكب كل دورة جديدة من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، ونحن الآن على موعد مع الدورة 39 منه، صحيح أن تلك الأخبار تقدم يوسف شريف رزق الله باعتباره مديرا فنيا للمهرجان، لكن العاملين به، والمتابعين له باعتباره الفعالية الفنية الأهم في مصر، يعرفون جيدا أن مكانة يوسف شريف رزق الله أكبر من ذلك، وأن كثيرون يغفرون للمهرجان أخطاءا متكررة فقط لأن رزق الله من بين قائمة المنظمين، كما يدركون أنه ربما الوحيد الذي حافظ على درجة عطاءه للمهرجان منذ انضم له رسميا عام 2000 كواحد من فريق العمل، قبل أن يكون من الذين واكبوا الدورة الأولى وما بعدها منذ نهاية السبعينات بحكم موقعه كعراب للسينما الأجنبية في مصر والوطن العربي.

 

الحفاوة التي قوبل بها يوسف شريف رزق الله عندما ظهر مؤخرا مع "صاحبة السعادة" إسعاد يونس على قناة cbc كانت بمثابة "شكر جماعي" من ملايين تابعوه وهم صبية وشباب يحبون السينما العالمية عبر شاشات التلفزيون المصري سواء من خلال برامجه الشخصية وأقربها لقلب كاتب هذه السطور (سينما x سينما) حيث لازالت أتذكر فواصل هذا البرنامج حيث الدمية الصغيرة التي تضرب الكلاكيت لتعلن نهاية فقرة وبداية فقرة جديدة، أو من خلال البرامج التي كنا نقرأ اسمه عليها كمعد للمادة التلفزيونية مثل أوسكار لسناء منصور ونادي السينما لدرية شرف الدين.

 

في حلقة صاحبة السعادة جاءت فرصة أخيرا لأبناء الجيل الحالي لكي يعرف كيف كان يوسف شريف رزق الله يعد مواد برامجه في زمن التلفون والتلغراف، وليس الإنترنت وتوابعه من فيس بوك وواتس آب، هذه التوابع أو لنقل التسهيلات التي توفرت للجيل الحالي ومع ذلك لم ينجح معظمهم في استغلالها من أجل تقديم ثقافة سينمائية عالمية كتلك التي وفرها يوسف شريف رزق الله لجمهور التلفزيون المصري منذ سبعينيات القرن الماضي، الأمر الذي يجعل البحث عن خليفة لهذا الرجل بمثابة ضرب من ضروب الخيال، لأن كلمة السر هي المفقودة وليست الإمكانات والخبرات، الإخلاص الذي جعله يصنع أرثا لا مثيل له، ولو كانوا في ماسبيرو يهتمون بالأرقام القياسية وبدخول موسوعة جينيس لأبلغوهم عن الرجل الذي قدم هذا العدد الهائل من ساعات البث سواء كمقدم برامج أو معد للمادة التلفزيونية عن موضوع واحد هو السينما والمهرجانات العالمية.

 

الإخلاص لفن السينما جعل الكثيرون لا يعرفون يوسف شريف رزق الله إلا بهذا الوجه رغم أنه مارس مهام أخرى داخل التلفزيون وخارجه ونجح فيها جميعا بنفس الدرجة، بعد تخرجه من مدرسة الجزويت عام 1961 التحق بكلية الإقتصاد والعلوم السياسية وتخرج فيها عام عام 1966 ليتحلق بالتلفزيون كمحرر ومترجم للأخبار، وبجانب برامجه التلفزيونية تولى رئاسة قناة النيل الدولية منذ عام 1997 حتى 2002 ، كذلك تولى رئاسة قطاع التعاون الدولي بمدينة الإنتاج الإعلامي وجهاز السينما بنفس المدينة، وترأس جمعية الفيلم بالقاهرة قرابة 20 عاما، بجانب برامجه الشهيرة، أوسكار الذي بدأ عام 1975 ونادي السينما الذي انطلق عام 1980.

 

هل يجوز أن يكرم مهرجان سينمائي أحد القائمين على إدارته؟ ، حسب المتعارف عليه الإجابة هي لا، لكن عندما نتكلم عن يوسف شريف رزق الله فإن مهرجان القاهرة هو المستفيد من تكريم رجل أخلص للمهرجان وللسينما وللتلفزيون المصري كما لم يفعل أحد آخر على مدار خمسين عاما.

مسرحية البروفة... ضحك مستمر متقطع

نشر المقال لأول مرة يناير 2020 


أخيرا شاهدت مسرحية البروفة على خشبة مسرح الهوسابير يوم الجمعة الماضي

 

النية كانت معقودة منذ شهور لكن الفرصة لم تأت إلا قبل أيام .

 

النية معقودة لأن المسرحية لنفس فريق المسرحية الكوميدية الشهيرة "1980 وإنت طالع" والتي أحدثت دويا واسعا عام 2015 حتى أن أعضاء الفرقة قرروا أن يعيش اسم المسرحية طويلا بأن أطلقوه على الفرقة نفسها، أي أن "البروفة" هي مسرحية من إنتاج فرقة " 1980 وإنت طالع" .

 

النية معقودة أيضا لأنها من تأليف محمود جمال حديني أحد أبرز الأقلام المسرحية البارعة في العقد الأخير وشاهدت له أعمالا أخرى أكدت تمكنه وأنه سيكون علامة في سوق التأليف المسرحي فيما هو قادم من سنوات.

 

أما لماذا تأخرت الفرصة فهو لأن الفرقة لاتزال بدون ممول، تعمل بالجهود الذاتية، لم تتلق عروضا للتعاون مع الجهات الرسمية، والجهات غير الرسمية لا تفضل هذا النوع من المسرحيات.


مهلا لا تظن أن عبارة "هذا النوع من المسرحيات" تعنى أننا أمام عرض عميق يصيب المتفرجين بالكأبة ويدعوهم للتأمل، العرض فعلا يدعو للتأمل في أحوالنا لكن من خلال مواقف بسيطة ونابعة من حياتنا اليومية خصوصا تلك التي يعيشها شباب هذه الأيام، مع توافر لكم هائل من الضحكات لا أريد أن أبالغ وأقول أنه يتخطى ما جاء في " 1980 وإنت طالع" وأيضا في أعمال تجارية مثل "مسرح مصر" وغيرها .

ضحك لا يتوقف منذ الدقيقة الأولى لكنه متقطع كما يشير العنوان لأن المسرحية تعرض أياما معدودات تحت ضغط حسابات المكسب والخسارة ثم تختفي أسابيع ثم تعود مرة أخرى وهكذا.


 

سأحكي فكرة العرض لكن ليطمئن من سيشاهده لا يوجد أي حرق لأن الضحك في البروفة من الصعب تلخيصه ويجب مشاهدته كما يحدث على شبكة المسرح .

 

الفكرة تبدأ من فرقة مسرحية فقيرة في الإمكانات ، تبحث عن نص جديد للعودة للجمهور، يحاول الممثلين ابتكار مشاهد لعرضها على المخرج محمد جبر والذي يظهر كما باقي الأبطال بشخصيته الحقيقية، لا يجدون أفكارا جديدا فينقلون من القديم كما يعيش مجتمعنا بالكامل منذ سنوات على إرث النوستالجيا الذي كاد ينضب، لكن الضحك يتولد من التناقضات الناتجة عن إعادة كل ما هو قديم .

يظهر المخرج فيصاب بالإحباط، لكنه يحاول اقناعهم بالبدء من جديد، من التدريبات الأولية للممثل حتى تتولد الأفكار، ومع كل تدريب ينسج أبطال الفرقة مواقف وحوارات لا يمكن أن تتعايش معها إلا وأنت تشاهد العرض كاملا، فنصوص محمود جمال وعروض محمد جبر وباقي الفريق لا تستهدف جمهور اليوتيوب في هذه الحالة كما يحدث مع فرق أخرى يتابع الجمهور مقاطع بعينها عبر الإنترنت دون أن يفهموا أصل وفصل المسرحية.

 

العرض كما اعتدنا من هذا الفريق يتحدث عن الجيل المأزوم والذي لم تتغير أزماته منذ قدموا مسرحيتهم الأولى، لكنهم لازال قادرا على مواجهة الواقع بالضحك والسخرية والتمسك بشعاع من الأمل أرجو أن لا يفقده الأبطال سواء في عرضهم المقبل أو على أرض الواقع وهم يحمون مشروعهم من التوقف كما تعاني دوما المشروعات الفنية المستقلة.

 

نأتي لآخر وأصعب فقرة، ماذا يمكن أن نكتب عن الممثلين، كلهم بالفعل جيدين، وهناك من فاجئوني بأداء فوق المعتاد، مثل الإعلامية سالي سعيد التي لم أشاهدها كثيرا كممثلة لكنها في البروقة نضجت مسرحيا إلى حد كبير، فيما كانت المرة الأولى التي أشاهد فيها شريف حسني ممثلا وليس ضيفا على برامج تلفزيونية وكان من أبرز عناصر الإضحاك في هذا العرض، إلى جانب الثنائي المتفاهم المتجانس دائما، حاتم صلاح ووليد عبد الغني وكلاهما يحتاج لمزيد من الإنتشار والتسويق لأنهم بحق من أبرز مضحكي هذا الجيل ومن تابع عروض "أمين وشركاه "يعرفهما جيدا، العنصر النسائي هو الأقل عددا في العرض لكن سمر نجيلي ومروة الصباحي قدموا مجهودا وفيرا، فيما انتزع باقي الممثلين ضحكات الجمهور بقدر متساوي وخرج الناس وهم بدون ترتيب إسلام علي، محمد خليفة، محمد العتابي،علي حميدة، ، مصطفي محمد الشهير بـ "هات 200 جنيه "، فتحية للجميع على هذا العرض الرائع وأمنيات من القلب أن يستمروا في طريق خال من مطبات الإحباط

قهوة زعترة.. أن تصلي في الأقصى وأنت جالس في الفجيرة

 من القدس إلى الفجيرة حيث مهرجان الفنون جاء الممثل الفلسطيني حسام أبو عيشة ليقدم عرضه الجديد " قهوة زعترة" الذي يروي من خلاله سيرة ما حدث في القدس قبل النكبة وصولا بالنكسة مستندا إلى حكايات واقعية عايشها وحكاها والده صالح أبو عيشة العامل في قهوة زعترة التي ظلت أبوابها مفتوحة للمقدسيين بين عامي 1938 وحتى 1979.

جاء أبو عيشة من القدس لا ليروي لنا حكاياته والده قبل وبعد الإحتلال، لكن ليأخذنا جميعا ونحن جالسون في بيت المونودراما في قلب مدينة دبا بإمارة الفجيرة إلى القدس.

جمهور المهرجان الذي سيختتم فعالياته الجمعة المقبل استمتع وأنا من ضمنهم بأكثر من ستين دقيقة من الأداء التمثيلي المسرحي المبهر عبر إمكانات ممثل فذ انتزع ضحكاتهم وآهاتهم في آن واحد.

عكس معظم عروض المونودراما التي تعوض غياب تعددية الممثلين بتقنيات صوتية وبصرية، قدم أبو عيشة عرضه بدون موسيقى أو مؤثرات فنية، وبإكسسورات محدودة، طاولة وكرسي وشيشة "أرجيلة بالفلسطيني" وحقيبة وقطعة قماش استخدمها بمختلف الأشكال.

بالتأكيد رأينا القدس الآف المرات على الشاشة، كلنا يحفظ صورة المسجد الأقصى وقبة الصخرة الشهيرة عن ظهر قلب، لكننا ربما لم نسمع من قلب حكايات من قلب المدينة العتيقة بالطريقة التي سردها ابن حي القطانين والذي لم يغادر أولى القبلتين أبدا لا قبل الإحتلال ولا بعده بل وصف نفسه في الندوة التي أعقبت العرض بأنه الصبي الذي ولد متمتعا بعزة نفس زاد تمسكه بعدها بعد إحتلال يونيو 1967.

روى أبو عيشة حكايات من مروا على القهوة الشهيرة، وكيف كانت القهوة مصدر قلق لممثلي الكيان الصهيوني ويعتبرون اغلاقها صباحا بمثابة دعوة للإضراب، حث كانت القهوة تفتح أبوابها مع شروق الشمس وتغلق عصرا ماعدا في رمضان تفتح بعد المغرب وتغلق قبل الفجر.

نجح الممثل الفذ بأداءه المبهر في أن يصطحب كل من يجلس في القاعة التي امتلئت على أخرها وصفق حضورها عدة مرات خلال العرض، نجح في أن يستضيفهم ولو ذهنيا في شوارع وأزقة القدس، جعلنا نتخيل كيف كانت وعلى ماذا أصبحت وكأنه يصف لنا الطريق إلى هناك، جذب الروح المشتاقة للصلاة في المسجد الأقصى وهو يحكي لنا كيف كان والده يحرص على أداء صلاة العصر هناك بعد أن ينتهي من دوامه اليومي.

معظم عروض المونودراما ينقسم حولها النقاد، لكن العرض الفلسطيني حظى بشبه إجماع رغم أن البعض صنفه بالأقرب للستاند آب كوميدي أو فن الحكي غير أن "قهوة زعترة" تأليف وبطولة حسام أبو عيشة وإخراج كامل الباشا خرج متكاملا إلى حد بعيد وكم كان نبيلا من أبو عيشة الذي جسد في العرض قرابة 21 شخصية أن يقول للنقاد والجمهور "قيموني كفنان وليس كفلسطيني" فهو لا يريد إشادات كونه مواطن عربي يعيش تحت الإحتلال، لكن يريد أن يصنف كفنان أولا يعبر عن قضية عمره وعمر كل الفلسطينين والعرب.

أبو عيشة نال ما تمنى بحق، وشرف أهله في القدس كما وعدهم في منشور كتبه عبر فيس بوك وهو في طريقه للإمارات، تاركا ورائها أرواحا ما تزال تشتاق لشوارعها وترحل عيوننا إليها كل يوم. 



محمد عبد الرحمن يكتب : هند موسى ترند !

 

نشر هذا المقال لأول مرة سبتمبر 2018 

(1)

في حدود العاشرة مساء أمس السبت 29 سبتمبر 2018 تصدرت هند موسى قائمة الترند على موقع تويتر بعد نحو 6 ساعات على وصول خبر وفاتها الذي لا يمكن وصفه بالمشئوم، هذا الوصف يصلح للصياغات التقليدية التي اعتدنا أن نستخدمها مع الأخبار الحزينة عن المشاهير والشخصيات المسئولة والمعروفة، بالنسبة لي ولكل زملائها وأصدقاء وأحباء هند موسى، نحن أمام خبر يشبه الأسلحة الفاسدة التي سمعنا عنها في حرب 1948، خبر تفاصيله تنفجر في وجهك وأنت تكتبه، خبر يجعلك تشعر وكأن له ذراعا قوية غاشمة تقبض على عنقك تمنعك من التنفس فترسل الخبر للنشر وأنت تعاني من اختناق قد تذهب أثاره الخارجية بعد أيام فيما سيظل الجرح في القلب لا يندمل .

(2)

"يا هندو"  .. بالنطق دة اتعودت اناديها في الفترة الأخيرة، تأثرا بسامي مغاوري في مسلسل "الآبلة أطاطا" لما كان بيحط الضمة على الدال وهو بينادي هند اللي في حلقات الجاهلية، هند كان بيعجبها النداء وبتضحك حتى لو واتس آب، وبعده طبعا كنت بطلب رقم، مقدرش أفتكر حجم الأرقام المتبادلة بينا واللي عمرها ما قصرت فيها عكس صحفيين كتير، بس غالبا 95 % كنت باخد أرقام و5 % كانت بتسألني على رقم .

(3)

لا يوجد أسوأ من أن يكتب الصحفي خبرا حزينا عن زميله، نحن الذين ننتظر تغير الترند كل عدة ساعات لنجد المزيد من الشخصيات التي تستحق أو حتى لا تستحق أن نصنع عنها أخبارا وقصص، تفاجئنا هند وتصبح هي الترند لكن دون أن نحتاج لأن نطلق موضوعا بعنوان، هند موسى ترند على تويتر، تعرف على السبب، فكلنا يعرف السبب، والجمهور العادي لن يهتم، صحفية ماتت في حادث سير مؤسف، سينتهي الأمر لمن لا يعرفونها سريعا والتفاصيل غير مهمة، نحن نكتب التفاصيل عندما يكون الراحل نجما، لكن هند غيرت القاعدة دون أن تدرك، باتت هي نجمة  متوجة على قلوب كل زملائها، حتى انبهر هؤلاء الذين يسمعون اسمها للمرة الأولى من حجم الحب والحزن وعدم التصديق .

(4)

هند مكنش عندها طموح من النوع العادي، كان طموحها من النوع الصعب جدا، إنها تعيش مرتاحة البال وتعمل شغل حلو، كان رضاها عن نفسها أهم من رضا المديرين والمصادر، ودة طموح تحقيقه صعب بالمناسبة،  يمكن دة بيفسر ليه كم الحب والتقدير دة وقدرتها على تفادي أي خلاف أو  صدام مع الزملاء وأشهد أنها كانت مستعدة لانهاء أي خلاف بمجرد سماع كلمة طيبة أو لفتة محترمة .

(5)

النجوم ينعون هند موسى، لولاهم بالمناسبة لما دخل اسمها ترند على تويتر، فعندما يغرد النجوم يزداد انتشار التغريدة ويدخل الهاشتاج القائمة، صحفية لم تتجاوز الثلاثين بعد، لم تعرف طريق "السبوبات" أخلصت لجريدة التحرير حتى أصبحت رئيسا لقسم الفن، كان اخلاصها للمهنة ولمكان عملها هو باب احترام النجوم قبل الزملاء لها، فنالت كل هذا التقدير .

(6)

هند كانت بتتكسف اوي من حكاية أنها بقت رئيس قسم، كانت بتعتذر لي لما بقت متعرفش تيجي أي ايفينت انا بنظمه وتقولي هبعت لك حد، اقولها كبرتي عليا يا هند، تضحك في خجل وتقول لازم احرك المحررين اللي معايا وبقى عندي التزامات في الجرنال مقدرش انزل كل شوية، بس متقلقش يا أستاذ محمد هتابع وهينزل الشغل زي الفل، واقعيا مفيش مرة كنت قلقان على شغل يخصني مع هند موسى .


(7) 

هؤلاء الذين يقولون أنهم حفروا في الصخر حتى يصلوا لما هم فيه، لم يعرفوا شيئا عن هند موسى، خريجة كل الإعلام جامعة القاهرة 2010 ، بدأت محررة صغيرة جدا، في جريدة شهدت تقلبات كثيرة، ورحلت وقسم الفن في التحرير مربوط باسمها، هند موسى يعني التحرير ، هند كانت حتى 2013 تخجل من وضع صورتها على فيس بوك، هي أيضا عانت من التنمر – اللي بقى موضة دلوقتي- بسبب قصر القامة، لكنها قامتها المهنية طالت فوق أعناق الكثيرين، وباتت قادرة على الوصول لعدد هائل من النجوم والأخبار والأسرار، باتت لا تخجل من نشر صورتها وهي بجوار أحد النجوم بعد اجراء الحوار، وكانت تسعد كلما عاد المطبوع يخرج باسم التحرير وصفحة الفن تزينه بموضوعاتها أو تلك التي تشرف على تحريريها .

(8)

عندنا مشكلة كبيرة دلوقتي، مش مشكلة خالص مهرجان الجونة وهنروح ازاي بعد اللي حصل لاننا هنروح  كل المهرجانات والفعاليات عادي جدا شكلا، مكسورين  جدا مضمونا،  هننكسر لما نشوف صحابها جايين من غيرها، لما تقف زميلة تانية تسأل في مؤتمر صحفي وتقول أنا فلانة من التحرير، طب ومهرجان القاهرة اللي كمان شهر، يا ترى هند بعتت الجواب، طب لو الكارنيه طلع مين هيستلمه؟

(9)

هند موسى رحلت فجأة، بدون أي انذار، كانت 41 دقيقة active ago  عندما وصلني الخبر..هل لو رحت بعد مرض قصير، كان الحزن سيقل، في رأيي لا، سيناريو الرحيل عامل غير مؤثر في هذه الحالة، نحن لا نبكي وفاتها في حادث سير أيا كانت تفاصيله، لكن نبكي قيمة كانت بيننا ولم نجد الفرصة الكافية لنقول ونعلن ونصرح كم نحبك ونقدرك يا هند .

(10)

كنت خايف معرفش كالعادة أكتب، فاشل جدا أنا في وداع الأحباء، لما حميدة أبو هميلة بعتت مقال عن هند الصبح  قلت خلاص شيره وكفاية كلامها بالنيابة عننا، بس مقدرتش، حسيت ببراجماتية الصحفيين إني لو كتبت هستريح، بس محصلش يا هند، البرجماتية منفعتش، بس يارب المقال يعجب اللي ميعرفكيش ويدعي لك بالرحمة، هو طلع طويل شوية، معلش، لو مش نافع ابقى اختصريه انتي يا حبيبتي .

 

السبت، 8 أغسطس 2020

ياما في الجونة مظاليم !

 محمد عبد الرحمن

هل الجونة مهرجان فساتين وحسب؟ الإجابة بالطبع لا، الجونة منذ دورته الأولى يشهد عروضا لأفلام مهمة عربية وغير عربية، كثير منها يعرض للمرة الأولى في العالم العربي، لماذا إذن تنتشر فقط أخبار الفساتين؟ لأسباب عدة، أولها أن طبيعة المهرجان تسمح بحضور عدد كبير من النجمات بشكل يومي للمشاركة في فعاليات السجادة الحمراء لأفلام المسابقة الرسمية، وكل نجمة تحرص على ارتداء فستان جديد في كل ظهور وذلك بالاتفاق طبعا مع مصممي الأزياء وبيوت الموضة وغالبا ما تكون الفساتين ممنوحة كهدية من تلك الجهات، طبيعة المهرجان اللوجيستية وامكاناته المالية تسمح بوجود هذا العدد من النجوم يوميا، حتى لو امتلك مهرجان القاهرة تلك الإمكانات فإن مقر اقامته في دار الأوبرا لا تمنح النجوم حرية التواجد دون مضايقات بشكل يومي، ولا ننسى أن هناك من بين النجوم من هم مقيمين أصلا بالجونة، الصحافة والسوشيال ميديا سبب آخر لتصدير تلك الصورة، فالاهتمام بالفساتين بات منطقيا لأجل الترافيك والناس على التايم لاين يتربصون بكل نجمة ما بين مشيد بذوقها العالي أو منتقد لأنها ارتدت فستانا بدون حمالة صدر !، أما النقاد والمتخصصين فعادة ما يكتبون آرائهم في الأفلام بعد انتهاء الدورة، وهؤلاء يقرأ لهم المحبون للسينما وبالطبع لن يأخذوا هذه المقالات لهواة الفساتين ويقولون لهم أنتم مخطئون لقد كان في المهرجان أفلاما مهمة.

ما سبق، يؤكد الظلم الذي يتعرض له القائمون على اختيار الأفلام في الجونة ومنهم خبراء سينما عالميون، بجانب مديره انتشال التميمي ومديره الفني أمير رمسيس.


حضرت الدورة الأولى للجونة، ونصف الدورة الثالثة وأستطيع القول أن اختيارات الأفلام جيدة إلى حد كبير وأن كانت في هذه الدورة أقل مما سبق ربما لأسباب تتعلق بمستوى الإنتاج العالمي، للمهتمين بالفساتين يمكنكم اذن متابعة انستجرام واعتبار الفنانين في رحلة ترفيهية، للمهتمين بالأفلام دعني أحدثك عن مجموعة من أفضل ما رأيت من أفلام، وهي على سبيل المثال لا الحصر، الفيلم السوداني "ستموت في العشرين" التجربة الأولى لمخرجه أمجد أبو العلاء والذي يؤكد أن السينما في السودان قادرة على النهوض والمنافسة، وهو مستوحى من قصة للأديب حمور زيادة، عن طفل يعيش حياة بائسة لأن أحد الأولياء "المزعومين" تنبأ بسبب "الفال" أنه سيموت عندما يبلغ العشرين، الفيلم اللبناني القصير "أمي" للمخرج وسيم جعجع يحكى عن طفل آخر، عمره 9 سنوات يفقد أمه ويناجي المسيح في الكنيسة كي يعيده إياه ولما ييأس يسرق تمثال العذراء كرهينة عنده، ومن خلال عيون الطفل ومستوى تفكيره يقدم الفيلم في أقل من 20 دقيقة كيف تتفاوت رؤيتنا للحياة حسب ما نحتاج، وأن براءة الأطفال ستظل مرحلة لا تعوض في حياة كل إنسان، فيلم " الفارس والأميرة" ورغم عرضه خارج المسابقة لكنه حالة السعادة بوجوده كانت كبيرة وأضفى حضور بطله الممثل المخضرم عبد الرحمن أبو زهرة بهجة في جنبات المهرجان لم تصل لهواة الفساتين، فيلم متعثر منذ عشرين عاما، يحكي عن البطل محمد أبو القاسم فاتح بلاد السند ومناسب جدا للأطفال وهو أول فيلم كارتون مصري طويل ويقف وراءه صاحب الحلم السينارست بشير الديك والذي شارك في إخراج الفيلم مع إبراهيم موسى ، أختم بفيلم فرنسي هو "البوساء"، في البداية ظن كثيرون أنه اعادة تقديم لقصة فيكتور هوجو الشهيرة لكن المخرج لادج لي في أول أفلامه كان يتكلم عن بؤساء أخرين، عن المهاجرين الأفارقة وغيرهم في فرنسا وكيف تعاملهم الشرطة هناك كما كان يعالم الأغنياء الفقراء في رواية هوجو ويظل المشهد الأخير في هذا الفيلم من أفضل ما شاهدت على الشاشة الفضية منذ سنوات بعيدة.

تفاصيل هذه الأفلام وغيرها موجودة على الموقع الرسمي للمهرجان، يمكن الوصول له بسهولة عبر جوجل، حيث ملخصات الأفلام وصورا منها ومعلومات عنها، الموقع سلس للغاية ومصنوع باحترافية ولن تجدوا عليه صورة فستان واحد لمن أصابتهم هذه الف