الأربعاء، 20 يوليو 2022

ريفو ..دراما تجميع البازل

 

محمد عبد الرحمن 

في إحدى المواجهات بين منتج فيلم "ريفو" – هشام الشاذلي - وابنة السيناريست المتوفى حديثا – ركين سعد - يؤكد لها أن المهمة ليست بالهينة، وأنه طالما توفى والدها المطلع على القصة منذ البداية، فإنها أمام تحدى تجميع الـpuzzle ، وهذا التحدي الذي واجه المخرجة الشابة مريم حسن فخر الدين، هو نفسه كلمة السر التي نجح مؤلف العمل محمد ناير في إرسالها لكل مشاهد على حدة من أجل تحقيق هذه النتيجة، مستعينا بصياغة إخراجية مميزة ليحيى إسماعيل القادم من سوق الإعلانات، وبفريق وُفّقت الجهة الإنتاجية في اختياره، سواء على مستوى تصميم الملابس "أسماء عمرو"، الديكورات "إسلام حسن"، الموسيقى التصويرية "ساري هاني"، التصوير "محمد عبد الرؤوف"، والإشراف العام على الإنتاج بكل تأكيد "سمر علي".

 


تكمن كلمة السر إذن في أن ناير جعل كل متفرج شريكا في فك ألغاز الفرقة، ونجح في صياغة دراما تتصاعد بهدوء وبشكل مطرد دون أي تفاوت في الإيقاع، ليجعل المتفرج وكأنه واحدًا من فريق مريم فخر الدين، إلى جوار اليوتيوبر، وصاحب محل الأنتيكات. الكل يبحث عن فك الألغاز، وكلما نجحوا في تجميع عدة قطع من الـpuzzle ، تظهر فراغات جديدة، وتصبح المهمة أكثر تشويقا. يحدث هذا باستخدام أسلوب سرد درامي أعتبره من أفضل ما شاهدت عبر دراما المنصات في السنوات الخمس الأخيرة، حيث تميز على مستويين؛ الأول تعدد مسارات السرد، بين زمن تكوين الفرقة وزمن ما بعد وفاة حسن فخر الدين، دون أن يشعر المتفرج بأي ارتباك، بل بات لظهور عضو جديد من "ريفو" مدخلا لحالة من الارتياح تليها المزيد من الأسئلة، حتى تبقى السؤال الأكبر: أين ذهب شادي وما علاقة والد مريم بالفرقة؟

 

المستوى الثاني هو تعدد أصوات السرد، وهو ما يؤكد حالة "تجميع الـpuzzle " التي أعطت لهذه التجربة طزاجة وجاذبية يلمسها المتفرج منذ نهاية الحلقة الأولى، لم نسمع كل شيء بصوت الأب الراحل، هناك أيضا حكي ركين عن ما عرفته، وحكي كل فرد في الفرقة عن ما حدث من وجهة نظره، ثم تكون السيناريست الشابة النسيج الذي ستكتب منه الفيلم حتى تنجح في التحدي الأكبر بينها وبين المنتج، قبل أن تكتشف أنها لا تبحث في قصة "ريفو" ولكن في قصة حياتها هي شخصيا.

 

ما سبق يؤكد أن الأعمال الجماعية التي تقوم على أفكار جديدة وغير محروقة دراميا، تحتاج إلى صيغ سردية حديثة تناسب جمهور المنصات، وهو ما نجح فيه صناع "ريفو" منذ المشهد الأولى حتى النهاية المفتوحة التي تميز هذه النوع من الأعمال، وهي بالمناسبة نهاية لا تلزم الفريق بتقدم جزء ثان، وإنما تفوت على المتفرج حالة الارتياح المزيفة التي أصابته بعد انتهاء تجميع كل الـpuzzle المتاح أمامه، والذي يظن بعده أنه بذلك عرف كل مصائر الشخصيات. غير أن جملة حوارية بسيطة بين سيدة مصابة بألزهايمر "إيفا" ومريم فخر الدين تعيد المتفرج من جديد للنقطة صفر، بالتزامن مع "التيمة الموسيقية" التي تتكرر كلما عادت علامة الاستفهام من جديد أمام أحد الأبطال، والتي برع ساري هاني في صياغتها ويحيى إسماعيل في استغلالها .
.
الحديث يطول عن الممثلين، أمير عيد ارتدى شخصية تناسبه تماما، تامر هاشم تمتع بخفة ظل وسلاسة في الأداء، عمرو جمال أشاهده للمرة الأولى وهو ممثل مجتهد ولديه الكثير، مينا النجار أحد أبطال فيلم "عشم" عليه أن يزيد من تجاربه كممثل ولا يترك مسافات زمنية كبيرة بعد "ريفو"، سارة عبد الرحمن تواصل انتقاء الأدواء المناسبة لها، سلوى محمد علي وإيفا ومحسن محيي الدين الثلاثي المخضرم أضاف للتجربة كثيرا، حسن أبو الروس تقدم خطوات عبر "ريفو" عليه أن يحافظ عليها بعدم تقديم محتوى أقل قيمة، محمد مولى اجتهد في ألا يمثل نفسه ونجح بالفعل، والتوظيف المميز لحسام حسني، أما ركين سعد فهي ممثلة مخضرمة، لا يمكن أن تقول إن مريم في "ريفو" هي نفسها التي شاهدناها في "مدرسة الروابي للبنات"، فيما الفائز الأكبر من وجهة نظري صدقي صخر الذي أكد رغم حداثة تجربته أنه وجه صالح لتقديم أصعب الأدوار وتحمل بتفوق تبعات محورية الشخصية التي ربطت بين التسعينيات، وما جرى عندما قررت مريم حسن فخر الدين – دون أن تدري - البحث في ماضي أبيها.


 

الأحد، 17 يوليو 2022

كاليجولا يبحث عن مسرح !

 استراحة مشاهد .. محمد عبد الرحمن 

يبدأ العرض المسرحي "كاليجولا" من مشهد عودة الأمبراطور الروماني الأشهر في التاريخ إلى القصر وقد قرر الحصول على القمر، طلب مستحيل بالقطع لكن جنون وغطرسة وغباء هذا الإمبراطور لم تمنعه طوال 4 سنوات من قهر سكان روما والسعي نحو اللا معقول، لكن اللامعقول يتكرر الآن على المسرح العائم بالمنيل، حيث تعرض فرقة مسرح الشباب "كاليجولا" باللغة العربية الفصحي على خشبة لا تناسب طبيعة العرض ولا حجم الجهد المبذول فيه .


لا شك أن المخرج سامح بسيوني مدير الفرقة، وإدارة المسرح وفرت ما تملكه من إمكانات من أجل خروج العرض للنور، لكن سؤالا أثق أن د.إيناس عبد الدايم  ستطرحه على نفسها لو شاهدت العرض دون أن تنتظر هذا المقال، كيف يقدم البيت الفني للمسرح عرضا يتمتع بتلك المكانة في قائمة مسرحيات القرن العشرين، ويحمل اسم ألبير كامو، ولا يجد طريقه منذ البداية للمسرح القومي المختص بالأساس لهذه النوعية من العروض، وإن كان مشغولا بعروض أخرى منذ بداية العام قد تأت فرصة لاحقة لتقييم مستواها تحت الإدارة الحالية، فإن مسرح الجمهورية الذي شهد عرض الملك لير في نسخته الأولى سيرحب بكاليجولا وتفاصيله المتعلقة بالديكور والإضاءة والصوت الذي يعاني من التشويش  بسبب عدم جهوزية المسرح العائم لأسباب فنية يعرفها جيدا القائمون عليه .



حتى يشاهد من بيده الأمر "كاليجولا" ، فالإشادة واجبة بفريق العمل ككل لامتلاكهم شجاعة تقديم عرض كلاسيكي باللغة العربية الفصحى ، خصوصا وأن أبرز عناصر العرض من الشباب المحسوب على الأعمال التجارية وتحديدا الكوميدية ، والبداية كانت مع معد ومخرج العرض محمد عز الدين، الذي عرفناها مؤلفا لمجموعة كبيرة من الأعمال الكوميدية ابرزها سلسلة "الكبير قوي" لكنها احترم بشدة نص ألبير كامو وترجمة رمسيس يونان وقدم "كاليجولا" سابحا عكس تيار يفضل الأعمال الكوميدية الجماعية حتى على خشبة مسرح الدولة ليحتضن المسرح المستقل فقط العروض المغايرة، وهو ما يؤكد أن إرادة الفنان أساسية في تحقيق أفكاره، والاستسلام للسائد لا ينتج أعمالا تعيش ، ويؤكد ذلك إجابة على سؤال مطروح على طاولة مسرح الدولة، هل عروض مثل "هاملت بالمقلوب" و" كاليجولا" جاءت ضمن استراتيجية معدة مسبقا للانتاج الرسمي للمسرح في مصر، أم تقدم بها صناعها وتحملوا كل العقبات حتى تخرج العروض للنور بأقل قدر من الدعاية والتفاصيل الانتاجية اللازمة؟

 (بالمناسبة حتى عرض هاملت بالمقلوب يحتاج إلى اعادة نظر بسبب طبيعة خشبة المسرح ولنقل هنا إن وزارة الثقافة تحتاج إلى مراجعة إمكانات كل المسارح التابعة لها المفتوح منها والمغلق لأجل غير مسمى) .


أعود إلى عز الدين و"كاليجولا" وأختلف معه في افتقاد العرض للخروج عن النص، بالتأكيد هو حر في قراره الالتزام الكامل بما كتبه كامو، لكن جمهور 2022 يحتاج أحيانا إلى التخفيف من حدة الحوار بالفصحى وأن يلاحظ اسقاطات تناسب حياته اليومية حتى لا يتعامل مع العرض وكأنه فقط مشاهدة لنص شهير بعيدا عن الزمن الحاضر،فيما نقطة الاتفاق الأكبر في تكوينه لفريق من الممثلين على رأسهم محمد علي رزق  الذي دخل بتجسيده لشخصية كاليجولا قائمة الممثلين الكبار الذين تصدوا بشجاعة لشخصيات مسرحية صعبة، وأتمنى أن يكرر التجربة كل فترة لأن سيرته الفنية تستحق أن تتملأ بتلك التجارب، ومعه كتفا إلى كتف محمد أوتاكا في شخصية "شيريا"  والذي فاجئني بالتزامه التام بالنص بدون "إيفيهات" معبرا عن قدرات تمثيلية قد لا تمنحه الأدوار الكوميدية الفرصة الكاملة لاظهارها على شاشة التلفزيون، لبني طارق في شخصية "  سيزونيا  " قدمت أداء طيبا للغاية، وسعدت بالتعرف على ممثل متميز هو  محمد العربي في شخصية  "هيليكون " والممثل الصاعد خالد الشامي "سييبون" ونهاد نزيه "رئيس الديوان" الذي شاهدته من قبل في "حملة فريزر"، بالإضافة إلى شريف نبيل "ميريا" وأحمد لطفي "ليبيدوس" ومصطفى صديق "ميسيوس"، وأخيرا محمد حسن " الشريف العجوز" أو عزيزتي كما كان يناديه كاليجولا.